منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٧
وأمّا إذا استعصى حكم ولم يُهتَد فيه إلى وجه الصواب، فبالاِمكان الرجوع إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ما دام حيّاً. والرجوع بعد وفاته إلى مشاورة سائر الصحابة ممّن سمع في ذلك أثراً عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للاطمئنان وللتأكُّد من صحّة النقل، وهو ما رأيناه عند بعض الصحابة.
ثانيها: إنّه كان بإمكان الخليفة جمع الصحابة ضمن لجنة، والاستماع إلى منقولاتهم، وتثبيت ما هو الصحيح، وحذف المشكوك فيه؛ توحيداً للمنقول عنه(صلى الله عليه وآله وسلم). وكان ذلك الاَمر سهلاً يسيراً؛ لاَنّ الصحابة لم يذهبوا بعدُ في أقطار الارض للغزو والفتح كما حدث بعدئذٍ في زمن عمر ولم يفصل بينهم زمن طويل عن زمان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، ممّا يعني قلّة نسيانهم وندرة خطئهم، ووجود فرصة ذهبيّة لتوحيد نقولاتهم بأيسر سبيل، خصوصاً مع إمكان التعرّف على حال الراوي من قريب دون تعدّد الوسائط في النقل، إذ إنَّ أغلبهم ما يزال في المدينة على قيد الحياة.
ثالثها: إنّ المنع من التحديث، وبتطاول الاَمد، سيضاعف من عدد الاَحكام المجهولة عند المسلمين، وذلك ما يحدو بهم أن يستنبطوها من المسلّمات والمرويّات العامّة،وبذلك تختلف وجوه الاستنباط وتتعدّد وجهات النظر، بينما ينتفي كلّ هذا الاختلاف لو كان التحديث محكماً والتدوين جارياً. ونظراً لالتفات الخليفة إلى نقطة: "الناس بعدكم أشدّ اختلافاً" كان لزاماً عليه أن لايترك الناس يتخبّطون في الجهالة فيما يتّصل بالاَحكام الشرعيّة، أو يرتكسون في اختلاف أدهى وأمرّ، بسبب ظهور حالة تعدّد وجهات النظر الشخصيّة لكلّ مستنبط. وقد اقتضى هذا المنع أنّ الخليفة الاَوّل رغم سابقته في الاِسلام، وقربه من الرسول ـ لم يُرْوَ عنه إلاّ مائة واثنتان وأربعون روايةـ كما قال ابن حزم[١].
فلو قيست المرويّات المجموعة مع ما قد أُتلف منها لاستبان أنّ ما أُتلف وأُبيد كان كثرة كاثرة.
رابعها: إنّه لا يمكن منع التحديث بالاَحاديث مع العلم القطعيّ باحتوائها أُمّهات المسائل ممّا يحتاجه المسلمون في حياتهم الدينيّة والدنيويّة، إذ إنّ
____________
[١] راجع كتاب أسماء الصحابة، وما لكلّ واحد منهم من العدد لابن حزم الاَندلسيّ.
===============