منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٧٨
ـالراهب النصرانيّ الذي استأذن عمر أن يقصّ فأذن له[١]ويحتمل أن تكون صحفاً مشابهة لها.
ويتبيّن الاَمر أكثر وضوحاً وجلاءً في قول ابن مسعود: "فأُنشِد الله رجلاً عَلِم مكان صحيفة إلاّ أتاني، فوالله لو علمتها بدير هند لانتقلتُ إليها"، وفي قوله: "فوالذي نفس عبد الله بيده لو أعلم منها صحيفة بدير هند لاَتيتها ولو مشياً على رِجلي" وقوله ـ كما نقله الراوي ـ "وأُقسِمُ بالله لو أنّها كانت بدار الهند[٢] أراه ـيعني مكاناً بالكوفة بعيداًـ إلاّ أتيته ولو مشياً"، فهذا الجدّ والاِصرار منه على محو مثل تلك الصحف كان لنكتةٍ، ألا وهي اختلاط تلك الاَحاديث واستقاؤها من أحاديث أهل الكتاب، فكان ابن مسعود يرى أنّها من صنع الاَديرة، ومن قصص وأساطير أهل الكتاب التي غذّوا بها عقول الضعفاء من المسلمين والمغفّلين، ومن يتعاطف معهم فكريّاً، بالاِضافة إلى ميل النفوس إلى أُسلوب السرد القصصيّ وسماع الغرائب والعجائب، وكأنّ نشر تلك القصص كان أمراً متعمّداً مدروساً من النصارى، فلذا كان ابن مسعود يمحوها أحياناً بمجرد إلقاء النظرة عليها، أو حتّى دون إلقاء النظرة الفاحصة لعلمه سلفاً بما تحويه تلك الصحائف والكتب.
فلذلك وقف ابن مسعود من تلك المدوّنات الموقف الحازم، الذي قد بدا سلبيّاً بسبب معاصرته للحملة التي قادها عمر بن الخطّاب ضدّ التحديث والتدوين، وبين المنعيَن فرق لا يخفى على ذي لبّ وبصر!!
وبعد الوصول إلى هذه النتيجة المتمخّضة عن النظر الشامل لروايات
____________
[١] كنز العمّال ١٠ : ٢٨٠|٢٩٤٤٥ و ٢٩٤٤٦ .
[٢] دير الهند: من قرى دمشق. ودير هند الصغرى: بالحيرة، كانت تنزله هند بنت النعمانبن المنذر، ودير هند الكبرى: بالحيرة أيضاً، بَنَته هند بنت الحارث بن عمرو بن حُجر آكل المرار. [معجم البلدان ٢:٥٤٢ ـ ٥٤٣]. وقد يطلق دير هند ويراد به دير هند الصغرى [انظر الاَغاني ٢:١٣١]. وعلى كلّ التقادير فالظاهر أنّ المراد "بدار الهند" "دير هند". ونحن نرجّح أنّ يكون مراد ابن مسعود هو الدير الذي بالشام، لما في ذلك من ارتباط بالصحف المأتي بها من الشام، ولاَنّه أبلغ في البُعد، لاَنّ الظاهر هو صدور هذه الاَقوال من ابن مسعود في الكوفة، إذ الرواة كوفيّون.
===============