منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦٥
فيحتمل أن يكون ابن مسعود قد وقف على قصص كهذه في أهل البيت، ممّا لا يرتضيه، فجعل يُميثها كما في الخبر.
وعليه، فإنّ حصر التعليل بالاَوّل، واعتباره السبب الاَساسيّ في ذلك، فيه من المسامحة ما لا خفاء فيه.
هذا، ولابُدّ من الاِشارة إلى قول مَن خَدَش في ابن مسعود من أنّه استقلّ بالرأي كبعض الصحابة، فهذا ممّا لا يستبعد، إذ إنّه كان مرجعاً للناس، وأنّ ما أفتى به قد يكون عن خبر صحّ عنده، أو إعمال رأي واستنباط. ونلاحظ هذا الموقف عند بعض التابعين، أو تابعي التابعين كذلك، مثل: إفتاءات أبي حنيفة، وسفيان الثوريّ، والحسن البصريّ، وغيرهم.
فإنَّ مواقف هؤلاء واستقلالهم بالرأي لا يعني مجاراتهم للدولة. فما ذهبوا إليه يوافق السلطان تارة، ويماثل ما أُصِّل عندهم من أُصول تارة أُخرى.
إنَّ ما ذهبوا إليه إذَنْ لم يكن تأثّراً بهم أو موالاة لهم. وقد بسطنا هذا القول سابقاً في كتابنا (وضوء النبيّ).
نعم، إنّ هؤلاء لم يكونوا كمقداد، وعمّار، وأبي ذرّ من الصحابة أو التابعين، المعتقدين بفقه "عليّ" ونهجه وإنّ ذلك هو سنّة رسول الله لاغير، بل كانوا يعتقدون بأُصول ويذهبون إلى مبانٍ دعت إلى الاختلاف في أقوالهم.
وعليه، فإنّ ابن مسعود لم يكن خلّط ووالى القوم أو مال معهم، وقال بقولهم خلافاً لما نقل عن ابن شاذان[١].
وقد نقلت كتب الصحاح والسنن عن عليّ أنّه قال لمن سأله عن ابن مسعود: "علم الكتاب والسنّة ثمّ انتهى وكفى بذلك علماً"[٢]. أو قوله: قرأ القرآن، وأحَلَّ حلاله وحَرّمَ حرامه، فقيه في الدين، عالمٌ بالسنّة[٣].
____________
[١] انظر معجم رجال الحديث ١٠: ٣٢٢.
[٢] انظر حلية الاَولياء ١: ١٢٩ والمستدرك على الصحيحين ٣: ٣١٨، مناهل العرفان ١: ٤٨٣.
[٣] انظر سير أعلام النبلاء ١: ٤٩٢، المستدرك للحاكم ٣: ٣١٥، حلية الاَولياء ١: ٢٩٩، وشرح الاَزهار للاِمام المرتضى الزيديّ ١: ٢٦.
===============