منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١١٠
شرح النهج الجديد أنّه كان في أخلاق عمر وألفاظه جفاءً وعنجهيّةً ظاهرة[١]. وأنّه كان شديد الغلظَة، وَعْر الجانب، خشَن الملمس، دائم العبوس، وكان يعتقد أنّ ذلك هو الفضيلة، وأنّ خلافه نقص[٢].
فلا غرابة ولا بِدْع إذا اتَّخذ الخليفة ذلك الموقف الصارم المتشدّد من مخالفيه في التحديث، خصوصاً بعد ردعه من قِبل النبيّ لاستنساخه كتب اليهود، كلّ ذلك مع لحاظ الروح القبليّة التي كانت طافحةً عليه، مضافاً إلى مساس هذا التحديث بأصل مشروعيّة خلافته.
والاَغرب من كلِّ هذا أن نرى الخليفة يسجن أبا الدرداء الذي خالفه في عدَّة مفردات فقهيّة، وأبا ذرّ وابن مسعود اللذين كانا لا يتّفقان معه في تحريمه للمتعة، وهكذا الحال بالنسبة للآخرين الذين لم يسمح لهم في الخروج من المدينة. فيبدو أنّ الخليفة اشتدّ عليهم لتحديثهم بما لا يحلو ولايروق له، وإلاّ لماذا يسجن هؤلاء ويترك أبا هريرة صاحب الـ (٥٣٧٤) حديثاً مطلق العنان دون حبس ولا ضرب ولا تعزير، بل اكتفى بتهديده وإبعاده ثمّ جوّز له التحديث دون غيره؟!
ويلحظ هذا النفس واضحاً عند عمر بن الخطّاب حين أرسل وفداً من الاَنصار إلى الكوفة ، وشيّعهم إلى موضع قرب المدينة ، فقال لهم: أتدرون لِمَ شيّعتكم أو مشيت معكم ؟
فقالوا : نعم ، لحقّ صحبة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولحقّ الاَنصار .
قال عمر : لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أحدّثكم به... فأقلّوا الرواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأنا شريككم[٣].
فهو يمنعهم أو يحدّ من تحديثهم لاَنّهم من الاَنصار ؛ أتباع التعبّد الذين يروون ما لا يعجب الخليفة ولا يحبّ انتشاره بين المسلمين لئلاّ يظهر عجزه
____________
[١] شرح النهج ١ : ١٨٣ .
[٢] انظر شرح النهج ٦ : ٣٢٧ .
[٣] انظر الطبقات الكبرى ٦ : ٧ ، سنن الدارميّ ١ : ٨٥ ، جامع بيان العلم ٢:١٢٠، تذكرة الحفّاظ ١:٧، كنز العمّال ٢ : ٢٨٤ | ٤٠١٧ وغيرها .
===============