منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٠٠
أُسامة حتّى آخر لحظة من حياته!! ألم يدلّ هذا على اهتمامه(صلّى الله عليه وآله وسلم) بأمر الخلافة والوصاية؟!
بهذا فقد استبان لك أنّ الشيخين لم يكونا من المتعبّدين بكلّ ما قاله الرسول، بل كانا يتعرّفان المصلحة وهم بحضرته.
وقد أطلقنا خلال بحثنا هذا على كلّ من أخذ بقول الرسول وامتثل أمره دون الشاكّ السائل عن العلّة والمصلحة فيه اسم (التعبّد المحض).
وأمّا الذين كانوا يعتدّون بآرائهم ويرون لاَنفسهم حقّ البيان في الاَحكام فقد أطلقنا عليهم اسم: (الاجتهاد والرأي).
وكان كلا الاتّجاهين قائماً في عهد الرسول ثمّ من بعده، فلو أخذنا حكم صيام الدهر مثلاً، فترى البعض من الصحابة يصومه غير مُبالٍ بتكرار النهي عن النبيّ فيه، وقوله (من صام أوّل الشهر ووسطه وآخره كأنَّما صام الدهر).
نعم، إنّ من بين الصحابة من كان يصوم الاَيام الثلاثة في كلّ شهر امتثالاً لاَمر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) كي يحصل على فضيلة صيام الدهر، ومنهم من كان يصومها في جميع الاَيام مع سماعه نهي رسول الله.
وكذا الحال بالنسبة إلى نحر الاِبل وأكل لحومها يوم تبوك، فمع إجازة النبيّ لنحرها برز هناك من الصحابة من أنكر نحرها[١].
ومثله الحال بالنسبة إلى غزوة أُحد، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لمّا هجم عليه خمسة من المشركين، فأصاب أحدهم جبهته والآخر كسر رباعيّته وثالث فَكَمَ وَجْنَتَهُ ورابع...ـإلخ، فلم يرتضِ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) إعلام المشركين بأنّه حيّ لميمت كي لايعاودوا الكرّة على المسلمين، فلمّا عرف كعب بن مالك أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، حيّ نادى: يا معشر المسلمين ! أبشروا هذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لم يُقتل، فأشار إليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أن أنْصِت، مخافة أن يسمعه العدوّ فيثب عليه، فسكت الرجل.
ثمّ أشرف أبو سفيان على المسلمين فقال: أفي القوم محمّد؟
فقال رسول الله: لا تجيبوه، مخافة أن يعرف أنّه حيّ فيشدَّ عليه بمن معه من أعداء الله ورسوله.
____________
[١] انظر صحيح البخاريّ ، كتاب الجهاد والسير ، باب حمل الزاد في الغزو.
===============