منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٧٠
وتضارب آرائهم فيه، فلذلك عتّموا ومنعوا كلّ ما ينقل مخالفاً لاجتهاداتهم في المسألة، حتّى أنّا نرى عليّاً يتّقي من شيوع حكمه في الجدّ ويأمر ابن عبّاس بإتلاف ما كتبه إليه بهذا الصدد.
فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح عن الشعبيّ، عن ابن عبّاس: أنّ عليّاً كتب إليه أنِ اجعَلْهُ كأحدهم وامحُ كتابي[١]وفي أُخرى (وامح كتابي ولاتخلّده)[٢]، وهذا صريح في أنّ عليّاً كان يحاذر من بيان حكمه في المسألة.
ونقل عن عبدالله بن مسعود مثله، إذ روى ابن حزم بطريقه إلى شعبةبن التوأم الضبيّ: في فريضة فيها جدّ، فذكر اختلاف حكمه فيها، قال: فقلنا له في ذلك، فقال ابن مسعود: إنّما نقضي بقضاء أئمّتنا[٣].
وكأنّ ابن مسعود يشير إلى عدم تمكّنه من الاِفصاح عمّا سمعه من النبيّ أو ما يراه لما ذكر من اختلاف أقوال عمر فيه مكتفياً بما يقضي به الخلفاء، وهذا الجواب يشبه إلى حدّ كبير جوابه لمن سأله عن صلاته مع النبيّ بمنى ركعتين ثمّ صلاته مع عثمان أربعاً، بقوله: الخلاف شرّ.
فاختلاف أقوال الخليفة عمر في الجدّ، ثمّ تضارب آراء بعض الصحابة فيه، حدا ببعض الفقهاء أن يظنّ ظنّاً مغلوطاً، فقالت طائفة: (ليس للجدّ شيء معلوم مع الاِخوة، إنّما هو على حسب ما يقضي فيه الخليفة)[٤].
نعم إنّ النهج الحاكم كان يريد تثبيت رأي الخلفاء الماضين لاغير، والاِصرار على مخالفة نهج عليّ وابن عبّاس، فجاء عن الحجّاج أنّه بعث إلى الشعبيّ يسأله عن مسألة عن الجدّ.
فقال [الشعبيّ]: قال فيها ابن مسعود وعليّ وعثمان وابن عبّاس و...
فقال الحجّاج: فما قال فيها ابن عبّاس وإن كان لمُتقناً... إلى أن قال الحجّاج: مُرِ القاضي يمضيها على ما أمضاها عليه أمير المؤمنين يعني
____________
[١] فتح الباري ١٢: ١٧.
[٢] فتح الباري ١٢: ١٧.
[٣] المحلّى ٩: ٢٨٣ وانظر ٩: ٢٨٥ ٢٨٦ فإنّه أوضح من الاَوّل.
[٤] المحلّى ٩: ٢٨٣.
===============