منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٠٩
وفي هذا الصدد ورد عن ابن شهاب الزهريّ قولُه: أمرنا عمربن عبدالعزيز بجمع السُّنَن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كلّ أرض له عليها سلطان دفتراً[١].
وقد مرّت عليك نصوص عنه بأنّ تدوين العلم كان من أجل طلب الاَُمراء. مع الوقوف على دور السلطة في العهد العبّاسيّ في تأصيل المذاهب الاَربعة، وبهذا عرفنا أنّ عمل عمر بن عبد العزيز في السنّة لم يكن لجمع سنّة رسول الله فقط، بل لتأصيل ما صدر عن الخلفاء من اجتهادات وآراء كذلك، أي أنّه قد أصّل مدرسة الخلفاء (الاجتهاد والرأي) بعد أن انفصل فقههم عن منابعه وأُصوله وضاع العلم عن الاَُمّة مدّة قرن أو أزيد!
والمعلوم أنّ التدوين في ظروف تغلب عليها العصبيّة والقَبَليّة ـ خصوصاً بعدما شاع الوضع على لسان رسول الله ـ ليس ممّا يمكن الاطمئنان إليه.
هذا، ولا يخفى أنّ وجود بعض الاَحاديث ممّا لا يرتضيه الاتّجاه الحكوميّ العامّ لا يعني خلوص نيّة من تصدّى لاَمر التدوين وطموحهم إلى حفظ الشريعة، بل هو مؤشّر على امتداد النهجين في عهدهم، ووجود من يدافع عن سنّة رسول الله؛ لاَنّ التحريف الحكوميّ لا يُمكنه الصمود أمام التيّار الفكريّ الضخم الاَصيل، ذلك أنّ تعثّر النهج الحاكم ، وخلطه بين الاَوراق هو ما تكشفه الروايات الاَُخرى والقرآن الكريم، ويقف أمامه أتقياء الصحابة والمنطق السليم.
ولذلك نرى ضخامة وأصالة نهج التعبّد في الصحاح والمسانيد التي دوّنها أتباع الرأي والاجتهاد، وقد اتّخذت تلك المرويّات طريقها في فقه المسلمين على رغم كلّ الظروف والملابسات. وأنّ شمولها واتّساعها لاَغلب أبواب الفقه ينبىَ عن وجود نهجين فكريّين: أحدهما يدعو إلى الرأي ويفتي طبق اجتهاد الصحابة، والآخر: يعمل بالنصوص وما جاء في كتاب الله وسنّة نبيّه لاغير.
____________
[١] جامع بيان العلم وفضله ١: ٧٦.
===============