منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٧١
لم يضيّقوا الخناق في هذا المجال، لكنّهم لم يعجبهم أن ينتشر بين الناس ما يمسّ بخلافتهم، ولذلك نرى أنّ عمر كان يكثر من التعريض والتهديد لعبداللهبن عبّاس الذي كان يدافع وبإخلاص عن خلافة عليّ (عليه السلام)، فبعد أن ناقشه ابن عبّاس عن موضوع الخلافة وأحقّيّة الاِمام عليّ (عليه السلام) بها، قال له عمر: أمّا أنت يا ابن عبّاس فقد بلغني عنك كلام أكره أن أخبرك به فتزول منزلتك عندي، قال: وما هو؟...
قال: بلغني أنّك لا تزال تقول: أُخِذَ هذا الاَمر منّا حسداً وظلماً.
بعدها دافع ابن عبّاس عن أحقّيّة رأيه ولم يتنازل لعمر. فقال له عندما ذهب: إني على ما كان منك لراعٍ حقّك...[١] وفي احتجاج آخر لابن عبّاس على عمر، انزعج عمر من ابن عبّاس، قال ابن عباس: فأعرض [أي عمر] عنّي وأسرع. ورجعتُ عنه[٢].
وفي نصّ آخر يتّضح أكثر فأكثر منع عمر من بيان الخلافة وأحقّيّة أهل البيت بها حيث إنّه بعد أن أفحمه ابن عبّاس في احتجاجه، قال له عمر: امسِكْ عَلَيَّ واكتم، فإن سمعتها من غيرك لم أنم بين لابَتَيْها[٣]. وفي نسخة "لمتنم" وعلى كليهما، ففيهما وضوح تخوّف عمر من أن يسمع هذا الحديث من شخص ثالث، إذ ذلك يعني تأليب الناس ضدّ الحكومة، وهدم قواعد مشروعيّة حكم نهج الاجتهاد والرأي.
فمن هذا التشديد، ومن تحديثهم هم، نفهم أنّ في الاَمر التفاتة ذكيّة منهم، وهي التحديث بالفضائل والاستماع لبعضها من جهة، لكي لاتتّضح معالم سياستهم بشكل واضح، والمنع من تجاوز الحدود المرسومة للتحديث والمُحَدَّث به من جهة أُخرى، وبذلك يتّضح أنّ التعتيم على فضائل أهل البيت لميكن هو السبب الاَوّل والاَخير في قضيّة منع التدوين والتحديث، ولاننكر أن يكون له مدخليّة في المنع بنحو العلَّة الجزئيّة التي تنضوي تحت إطار منع
____________
[١] شرح النهج ١٢: ٥٢ ـ ٥٥.
[٢] شرح النهج ١٢: ٤٦.
[٣] فرائد السمطين ١: ١٥٣.
===============