منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٦٥
المنطلق جاء التعتيم على هذا الكتاب من قبل مانعي التدوين، ممّا جعل البعض يستغرب ما فيه من أحكام لاَنّه لم يطرق سمعه بها من قبل!
نماذج تطبيقيّة لفقه النهجين
بعد كلّ الذي قدمناه عن التدوين عند مدرسة (التعبّد المحض) ومنعها عند مدرسة (الرأي والاجتهاد) نقدّم الآن نماذج حيّة تطبيقيّة لفقهَي (التعبّد المحض) و(الاجتهاد والرأي) ولا نبتغي من وراءه إلاّ تجسيم كون الخلاف في الفقه بعد أن كان في الخلافة من ذي قبل.
وهذا يوضّح ما قلناه في سبب منع التدوين من قِبل الشيخين وأنّ آثاره قد انعكست على واقع المسلمين اليوم، لاَنّ التخالف في الفقه يرجع إلى التخالف في الاَُصول والروايات المستقاة عند الطرفين، وحينما عرفت تاريخ السنّة وملابساتها فقد عرفت كلّ شيء.
وإليك أربع مسائل من المسائل الفقهيّة المختلف فيها بين الاتّجاهين، آثرنا أن نأتي بها من أبواب مختلفة في الفقه (الاِرث، الاَطعمة والاَشربة، الحدود، الديات) لكي يتّضح ما نقوله بأجلى صوره وأوضحها، وليتبيّن أنّ المنع الصادر عن الشيخين قد أثّر تأثيراً كاملاً في جلّ أبواب الفقه الاِسلاميّ إن لمنقل كلّه، إذ من آثار المنع هو القول بمشروعيّة تعدّد الآراء عند الصحابة، وبمعنى آخر: بمنع التدوين ينفتح باب الاجتهاد لا محالة، لاَنّ الناس بحاجة إلى حلول في قضاياهم العامّة خصوصاً في المسائل المستحدثة وبالاجتهاد من قبل الصحابة سواء كان هذا الاجتهاد طبق النصّ أو لا يسدّ هذا العوز، ونحن نعلم أنّ الاجتهاد بطبيعته لا يلزم الفرد الوقوف عند الرأي الواحد، ومن هنا حدث الاختلاف بين الصحابة في آرائهم وفقههم، وحتّى بين أقوال الصحابيّ الواحد بنفسه، وقد أثّر هذا الاختلاف بين الصحابة ـ بسبب عدم وقوفهم على رأي واحد ـ على التابعين من بعدهم، لاَنّ الخلفاء وبتدوينهم أقوال الصحابة بجنب حديث رسول الله قد أصّلوا تلك الاختلافات عنهم، وقد مرّ عليك قول
===============