منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٨٣
المنقولات عن المدوّنات، بحيث خرجوا بحكم واحد لا شبهة ولا شائبة فيه.
ونحن نهيب بالباحثين أن يدرسوا ما نقل من كتاب عليّ في الفقه الاِسلاميّ دراسة تمحيصيّة ليتبيّن أكثر فأكثر أهمّيّة التدوين عموماً، وما في هذه الصحيفة المدوّنة بالذات.
دواعي التحريف والانحراف عند النهجين
أوضحت دراستنا فيما مرّ بعض أُصول الخلاف بين المدرستين التي نبعت واتّسعت متأثّرة بمنع التحديث والتدوين وأوصلتنا وأوصلت معنا القارئ إلى نتائج مثمرة بأكبر رصيد من الصحّة حول بُنَى المدرستين (الاجتهاد والرأي) و(التعبّد المحض)، واتّضح لنا الاَثر الاِيجابيّ الذي خلّفه التدوين على فقه المدوّنين والسلبيّ على فقه المانعين، وبالتالي عرفنا قيمة المخزون الفقهيّ لكلا المدرستين.
والآن نحاول عرض حصائلنا ووزنها بميزان آخر لمعرفة مدى تلائم كلّ من الاتّجاهين مع السير الطبيعيّ للسنن التاريخيّة وقواعد علم الاجتماع والاَخلاق ومدى إنسياقها وتلائمها مع الظروف المختلفة التي أحاطت بهما، لنعرف أيّ المدرستين أبعد من التحريف والانحراف، وأيّهما أقرب لذلك.
فعن عليّ بن أبي طالب في خطبة له:
(ولكنّي بلغني أنّكم تقولون "عليٌّ يكذب" قاتلكم الله، فعلى من الكذب؟! أعلى الله، فأنا أوّل من آمن به، أم على نبيّه؟ فأنا أوّل من صدَّقه!).
وهذا النصّ يختزن في طيّاته أدقّ وأروع معاني الاحتجاج والتنظير، وهو يشير إلى تأزّم مرض أخلاقيّ اجتماعيّ مُني به مجتمع كامل ـ أو شريحة كبيرة منه ـ إذ صبّت جام غضبها وكذبها على شخصيّة في أعلى درجات النزاهة والوضوح.
من هنا استدلّ الاِمام على بطلان مزاعم تلك الشريحة بأنّ الكاذب لابُدّ وأن تكون له دوافع ذاتيّة أو خارجيّة تحدو به لاَن يتّخذ الكذب مطيّة إلى مآربه وأهدافه. فإنّ الكاذب إمّا أن يكون مصاباً بعمى القلب والانهماك في المحرّمات والعصيان والتمرّد، ممّا يجعله شخصاً يستطيب ويستعذب الكذب، ولايرتدع
===============