منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٨٤
(قلت: وولي عمرو المدينة في زمن يزيد بن معاوية، وتبعه من تبعه في ذلك، فلهذا قال يحيى بن جعدة: اختلس الشيطان من الاَئمّة آية البسملة، يعني بالاَئمّة: الولاة العلماء. وقال الزهريّ: في آية من كتاب الله تركها الناس. وقال مجاهد: نسِيَ الناس ما كان الاَمر عليه قبل ذلك، ولا خير فيما أُحدث بعد العصر الذي أنكر فيه على معاوية تركها، وإذا اشتهر واستفاض، فالحجّة فيما ينقل عن العلماء دون أفعال الولاة.
فإن قلت: لو لم يكن حقّاً لاَنكره العلماء.
قلت: قد أنكروه على معاوية فرجع، فلمّا أفضى الاَمر إلى غيره من الولاة الجبابرة من المدينة كالاَشدق والحجّاج وحُبيش بن دلجة ونظائرهم، ربّما تركوه خوفاً من سطوتهم، أو أنكر بعضهم فلم يقبل منهم، فتركه الباقون ورأوا الاَمر واسعاً. والكلّ جائز وإن كان فيه ترك للسنّة، فاغتفروا أمره خوفاً من الفتنة!)[١]
ثمّ نقل كلام ابن الزبير : ما يمنع أُمراؤكم أن يجهروا بها إلاّ الكبر، ولعلّ عمروبن سعيدبن الاَشدق ـ وهو أوّل من أسرّ بها بالمدينة ـ إنَّما فعل ذلك مخالفة لابن الزبير ، لاَنّها مذهب ابن الزبير ، حتّى في الجهر بالبسملة في الصلاة، واقتدى به من وليها من بعده لبني مروان ، وغير بعيد أن يقصد الاَشدق ذلك فهو الذي بعث إليه البعوث وحاصره بمكّة وهو الحصار الاَوّل ، وبه اقتدى الحجّاج وحاصره الحصار الثاني ، وقبله أخرب الكعبة ، وأخرج منها الحجر وغير ما كان فعله ابن الزبير فيها ، منهم كانوا حريصين على مخالفته ما وجدوا لذلك سبيلاً، فأمر المداومة على إخفاء البسملة لا يبعد أن يكون من ذلك، بل هو أقرب، فإنّها مسألة مختلف فيها ، قال بكر بن عبد الله المزنيّ : صليّت خلف عبدالله بن الزبير وكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، وفي رواية أُخرى: كان يستفتح القراءة في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ويقول : ما يمنعكم منها إلاّ الكبر[٢].
____________
[١] أحكام البسملة: ٧٦.
[٢] أحكام البسملة ، للرازيّ : ٧٦ ، والسنن الكبرى ، للبيهقيّ ٢ : ٤٩.
===============