منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٧
على الحديث إقبال على القرآن الكريم في تفسيره والكشف عن مضامينه.
ثالثاً: إنّ تعليل الخليفة هذا يستلزم اتّهام الصحابة بفقدانهم القدرة على التمييز بين كلام الله الذي حفظوه وتناقلوه، وبين كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي صدر في مقام التفسير والشرح. في حين نعلم أنّ النصّ القرآنيّ بصياغته الخاصّة وبلاغته المتميّزة وجذبته الروحيّة ممّا لا يخفى على أحد، وممّا لا يمكن الخلط بينه وبين الحديث. إذ الآيات القرآنية وحدة موضوعيّة مترابطة ونسيج متماسك يستحيل اختلاطه بغيره من الكلام، وإذا أمكن حصول الالتباس في كلمات منه أو آيةٍ مثلاً، وهل هي من القرآن أم من كلام النبيّ ـ كما أسلفنا حصول ذلك لبعض الصحابةـ فإنّ ذلك أمر جزئيّ يمكن علاجه بأن يأمر الخليفة بالتثبّت منه عن طريق سؤال أكثر من صحابيّ، كما فعل ذلك أبو بكر عند جمعه القرآن، ولايحتاج علاج هذه القضيّة البسيطة إلى تعميم منع التحديث والتدوين كما فعل ذلك الخليفة عمر، ولذلك نرى أنّ أبا بكر لم يعلّل منعه للتدوين بالاختلاط لاَنّه حلّ هذا الاحتمال ولم يحوجه إلى اتّخاذ أُسلوب الخليفة عمر.
نعم، يصحّ هذا القول ـ على فرض التنزّل ـ لو اعتبرنا أنّ القرآن والحديث قد كانا بلا تمايز في صحيفة واحدة، ممّا هو مظنّة للخلط وفقدان للتمييز. لكنّ الواقع لم يكن كذلك، ولم يصنع هذا الصنيع المفترض أحد من المسلمين.
وهذه كتب التفسير بالمأثور ماثلة بين أيدي المسلمين، ولم يقع الخلط فيها بين القرآن والاَثر النبويّ، رغم تطاول الاَزمنة وامتداد العصور.
وأمّا التعليل الثاني: وهو الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن؛ لقوله: "لا أُلبس كتاب الله بشيء". فيردُّ عليه بأُمور أُخرى، هي:
أوّلاً: إنّ النصّ القرآنيّ يمتاز عن النصّ الروائيّ من حيث الاَُسلوب والبلاغة بمزايا ثابتة، إذ إنّ الاَوّل قد صدر على نحو الاِعجاز، فتحدّى مشركي العرب ـ وهم أهل البراعة في البيانـ أن يأتوا بمثله. وقد تكرّرت هذه الدعوة في القرآن بأساليب مختلفة وألفاظ قارعة كقوله (قُلْ فَأْتُوا بكتابٍ مِن عِند اللهِ
===============