منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٥٩
عليّ... وهكذا.
ومن هنا يظهر أنّ قول الخليفة عمربن الخطّاب لمن جمعهم من الصحابة: (فنحن أعلم بها منكم، آخذ منكم وأردّ عليكم)، وقول عروةبن الزبير لابن عبّاس: هما واللهِ كانا أعلم بسنّة رسول الله وأشيع لها منك، وغيرها... إنّما كان لتثبيت الموقع العلميّ للشيخين في الدولة، ولاِلزام أخذ الآخرين بما يحكمان به ولو عن رأي واجتهاد بدعوى أنّهما أعلم بمصالح المسلمين من غيرهم. وقد عرفت أن الناس لمّا أتوا عمر بصحفهم كانوا يَرجُون أن يرى عمر أقومها وأعدلها، ولم يكونوا يريدون بفعلهم هذا أن يكون الرأي الاَخير بيد الخليفة، وأن يرى أنّ رأيه هو الصواب.
ففكرة الاَعلميّة قد طُرحت بعد استقرار الاَُمور للخليفة، بعد أن قطع منع التدوين والتحديث شوطاً كبيراً. وهذان المَسْرَبان هما اللذان مكّنا الخليفة أن يدّعي لنفسه ما شاء من العلم بتعضيد من تخويف الصحابة وإسكاتهم. وكان إذنه للصحابة بالاجتهاد ـ في بدء الاَمر ـ وخضوعه لاجتهاداتهم وآرائهم في الشريعة كان الخطوة الاَُولى لتصحيح ما ذهب إليه؛ لاَنّ بين أُولئك الصحابة من هو أقلّ شأناً من الخليفة علماً وسابقة في الاَمر كأبي هريرة وسمرةبن جندب وغيرهما فتصحيح عمل هؤلاء يصحّح عمل الخليفة بطريق أولى، إذ إنّه ليسبأقلّ من هؤلاء إن لم يرجّح عليهم! على أنّ الخليفة في مجالسه الفقهيّة كان هو الرابح الاَوّل والاَخير، إذ إنّ فتح باب الآراء والاجتهادات للصحابة والاَخذ بها ـ كخطوة أُولى ـ له جانب آخر من المنفعة للحكومة القائمة، تلك المنفعة المتجلّية في حالة إخطاء الصحابة وتخِطئة بعضهم البعض، فإنّ ذلك يخلق أقوى المبرّرات وأعقل التوجيهات لاَخطاء عمر الفقهيّة، إذ لايمكنهم الاحتجاج عليه بأنّه أخطأ في حين أنّهم شاركوه في الخطأ حين صار الاِفتاء طبق الرأي والاجتهاد.
ولا يمكننا أن ننسى دور المنع في التدوين، وخلوّ الصحف عند الصحابة، فإنّه ممّا أحدث فراغاً في التشريع لا يُسدّ إلاّ بالاجتهاد، والاجتهاد هو ما يريده الخليفة ويستهدفه من وراء برنامجه المنعيّ.
===============