منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤٧
فالاجتهاد وما يدعو إليه الخليفة من رأي له من المطّاطيّة والانسياب ما لايمكن لاَحد الحدّ من سيره؛ فهو كراكِبِ الصَّعْبة: إن أشنقَ لها خَرَم، وإن أسلس لها تقحّم.
ومن أجل كلّ هذا ترى ابن عوف ـ رغم أخذه العهد من عثمان في السير على نهج الشيخين ـ لا يمكنه الضغط عليه في اجتهاداته: كإتمامه الصلاة بمنى؛ لاَنّه اتّخذ الرأي والاجتهاد الذي شرّعه عمر بن الخطّاب، فلايمكن لابن عوف وغيره أن يحدّد عثمان في فعله؛ لاَنّه اجتهد في الحكم رغم عرفانه أنّ النبيّ وأبا بكر وعمر قد قَصَروا الصلاة في منى.
وبعد هذا لم يَعُد بالاِمكان أن يحدّد غيره من الصحابة والخلفاء بالنصوص الصادرة عن رسول الله، كمعاوية ويزيد وعبد الملك بن مروان، لاَنّ ما يقولون به هو اجتهاد أيضاً!
وجاء عن الاِمام عليّ٧: "واعلَمُوا عبادَ الله أنّ المؤمنَ يَسْتِحلّ العامَ ما استحَلّ عاماً أوّل، ويُحرِّم العامَ ما حَرّم عاماً أوّل، وأنّ ما أحدثَ الناسُ لايُحلّ لكم شيئاً ممّا حُرّم عليكم، ولكنّ الحلال ما أحلّ الله والحرام ما حرّم الله"[١].
وفي قول له آخر: "وأنزلَ عليكم الكتابَ تِبياناً لكلّ شيءٍ، وعمَّر فيكم نَبيَّه أزماناً، حتّى أكمل له ولكم فيما أنزل من كتابهِ دينَه الذي رضِي لنفسه، وأنهى إليكم على لسانه محابَّه من الاَعمال ومكارِهَه ونواهيه وأوامره، وألقى إليكم المعذرة، واتّخذ عليكم الحجّة، وقدّم إليكم بالوعيد، وأنذركم بين يدَي عذاب شديد"[٢].
تأكيدٌ لما استنتجناه
روى البيهقيّ بسند صحيح أنّ أبا بكر حين استُخلف قَعَد في بيته حزيناً، فدخل عليه عمر بن الخطّاب فأقبل أبو بكر عليه يلومه، وقال: أنت كلّفتني هذا
____________
[١] نهج البلاغة ٢: ١١٤| ضمن الخطبة (١٧١).
[٢] نهج البلاغة ١: ١٤٧|٨٢.
===============