منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٦٩
لتكون سياسة عامّة يتّخذها الخلفاء من بعدهم كأصل في الحياة!
ففدك لو كانت حقَّ الاَُمّة ـ كما قال الخليفة الاَوّل ـ فكيف يمنحها ـ إذَن ـ عثمان لمروانبن الحكم مع خُمس إفريقية؟! وإنّها لو كانت حقّاً شخصيّاً ـ كما قالت فاطمة ـ فلِمَ لايعطونها إيّاها؟! ولتوضيح ذلك نقرأ هذا النصّ:
أخرج البيهقيّ في سننه من طريق المغيرة حديثاً في فدك، وفيه: أنّه أقطعها لمروان لمّا مضى عمر لسبيله، فقال: قال الشيخ: إنّما أقطع مروان فدكاً في أيّام عثمان بن عفّان (رض)، وكأنّه تأوّل في ذلك ما روي عن رسول الله: إذا أطعم الله نبيّاً طعمةً فهي للذي يقوم من بعده، وكان مستغنياً عنها بما له فجعلها لاَقربائه وصَلَ بها رحمهم[١].
وهذا تناقض عجيب، وتضارب بيِّن، ترى اين الصواب: في ادّعاء أبي بكر أنّها للمسلمين، أم ادّعاء عمر بأنّهم بحاجة إلى أموالهم لتجييش الجيوش وتوسيع رقعة الاِسلام، أم في ادّعاء عثمان بأنّها له باعتباره ممثلاً عن النبيّ؟!
ومهما تكن الاِجابة فإنّا نرى إطباق هذه الادّعاءات على منع فاطمة من فدك، بشتّى الاجتهادات والتوجيهات، واستمرار ذلك، يقفو به اللاحق السابق، وهذا ممّا يؤكّد التواصل المدروس لتنمية نهج الاجتهاد والرأي في مقابل نهج التعبّد المحض بالسنّة الشريفة.
ويلحظ استمرار المنع في التدوين إلى فترة خلافة عمر بن عبدالعزيز الذي فتح التدوين، كما يلاحظ إرجاع هذا الخليفة فدكاً لاَولاد فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولعلّ في الاَمر ملازمة وارتباطاً، لاَنّ التدوين الحاصل ـ على علاّته ـ أفاد المسلمين، وأوضح الكثير من الحقائق ـ وإن كان بجانب آخر يهدف إلى تثبيت مبادىَ مدرسة الاجتهاد لكي تدافع عن نفسها مقابل مدرسة التدوين والتحديث ـ فكان لاِيضاح تلك الحقائق مع ما عُرف من عمربن عبدالعزيز، نتيجة طيّبة، إذ يبدو أنّ أمر فدك اتّضح للخليفة من خلال التدوين وإطباق المؤرّخين وأصحاب السنن على نقل ادّعاء فاطمة (عليها السلام) لفدك وأنّها
____________
[١] السنن الكبرى ٦: ٣٠١.
===============