منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٦٩
ومن هذا كلّه نخلص إلى القول : بأنَّ المدوّنين كانوا من أتباع التعبّد المحض، موافقين لروح الشريعة الحاثّة على العلم ولوصايا واهتمام النبيّ بالتدوين، وقد دوّنوا وحدّثوا فعلاً . وأمّا المانعون عن التدوين فهم من أتباع الاجتهاد والرأي، ومن أتباع الخلفاء.
نماذج من امتداد النهجين
ولمزيد من تجلية هذه الحالة، إليك بعض النصوص:
أخرج ابن سعد في الطبقات عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم يملي عَلَيّ أحاديث، فقال: إنّ الاَحاديث كثرت على عهد عمربن الخطّاب، فأنشدَ الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها، ثمّ قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب[١].
وإزاء مثل هذه الحوادث تحضر في ذهن القارىَ أسئلة تبحث عن إجابات دقيقة مُقنعة: ترى...: لماذا تكثر الاَحاديث على عهد عمربن الخطّاب بالخصوص؟! وعلى أيّ شيء تدلّ هذه الظاهرة؟ ثمّ لماذا يأمر بحرقها ولايُميثها بالماء أو يدفنها في الاَرض مثلاً؟
ولماذا يتسرّع الخليفة في عمله، بدون تحقيق وتمحيص؟!
ثمّ لماذا يصطلح الخليفتان على موقف واحد من الاَحاديث، فيقوم كلاهما بإبادتها حرقاً بالنار ولا يميثانها بالماء أو يدفنانها في الاَرض ـ كما فعل ابن مسعود وغيره ـ؟ هذا مع أنّ التيّار الفكريّ لاَكثر الصحابة كان ضدّ إتلاف الاَحاديث، لكنّ نهج الاجتهاد ـ صاحب السلطة التنفيذيّة ـ أبى إلاّ أن ينفِّذ ما يراه، فلماذا هذه الاستهانة وعدم الاعتناء بآراء ووجهات نظر الصحابة مع موافقتها لاَحاديث النبيّ وسيرته ولروح التشريع الاِسلاميّ؟!
أترك القارىَ ليستنتج الجواب من النصوص السابقة واللاحقة، وأُذكّره بحديث آخر رواه لنا سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس في المتعة وأنّه قال: تمتع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)..
فقال عروة بن الزبير: نهى أبو بكر وعمر عن المتعة.
____________
[١] الطبقات الكبرى ٥: ١٨٨.
===============