منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٦٠
ج ـ وقفتَ سابقاً على نصوص لبعض الصحابة كانوا يمتحنون فيها الخليفة الثاني، ويستفزّونه لتنبيهه على أخطائه لا لانتقاصه، وكانوا يسألونه عن حكم مسألة واحدة في أوقات شتّى، ليوقفوه على التناقض الموجود في أجوبته، ممّا ينبىَ عن أنّ الخلاف كان في إطار المسائل الفقهيّة.
وكان الخليفة يضجر من تصرفات هؤلاء الصحابة، فيقول لمن سأله عن مسألة كان قد علم جوابها سابقاً من رسول الله: تبّتْ يداك! عمدتَ فسألتني عن مسألة سألتَ فيها رسول الله كيما أخالفه؟!
فظاهرة تخطئة الخليفة تراها واضحة في عهد عمر دون غيره من الخلفاء، ممّا يؤكّد أنّه فتح باب (رأيٌ رأيتُه) بحيث لم يمكنه أن يسدَّه.
إنّ العالِم بالاَحكام لا يهاب من السؤال بل يعجبه أن يُسأل ليجيب، وقد جاء عن عليّبن أبي طالب قوله "سَلُوني قبل أن تَفْقِدوني"، أمّا الذي ليس له أثر عن رسول الله فتراه يتخوّف من السؤال، ويضرب ضبيع بن عُسل ويتّهمه بالزندقة لكثرة أسئلته[١]!
د ـ نظراً لتوسّع رقعة الدولة الاِسلاميّة وكثرة المسائل المستجدّة، ولزوم رسم الحلول لها على ضوء الكتاب والسنّة، وقصور الخليفة عن الاِحاطة بتلك النصوص الصادرة عن رسول الله فيها، وإمكان حدوث التخالف بين مرويّاته ومرويّات الآخرين عن الرسول.. رأى من الضروريّ تقوية رؤيته السابقة ـ الرأي ـ على عهد الرسول وتحكيم شرعيّة الاجتهاد! والحدّ من التحديث، لاَنّ في التحديث والتدوين توعية للناس وتنبيهاً على أغلاطه.
وأنّ سماحه للصحابة بالاجتهاد لا التحديث ـ في أُخريات حياته ـ إنّما كان لتبرير فعله. وكذا أمرُه الصحابة بالاِقلال من الحديث ففيه إشارة إلى أنّ الخليفة لايستسيغ سماع المسائل التي لا يعرفها. وبهذا يخرج المنع من إطاره الخاصّ ليدلّل على أنّه أبعد ممّا قيل عنه، وأنّه لم يتعلّق بأمر الخلافة والاِمامة فقط!
____________
[١] انظر حقيقة البدعة للغامديّ ١ : ١١٤ عن الاِصابة ّ ١٦٥ والدارميّ ح١٤٦ والبدع لابن وضّاح: ٦٩ ودرّ التعارض ٧:١٧٢.
===============