منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٥٧
في ذلك فوافقوه على ما ألزم به وصرحوا لمن استفتاهم بذلك[١].
والآن أتساءل: كيف يعرف عمر المصلحة ويقف على روح التشريع في المؤلّفة قلوبهم، وقد وقفتَ على أجوبة ابني قدامة وصاحب المنار له؟!
وهل يصحّ أن يعرف الخليفة المصلحة ولا يعرفها النبيّ والصدّيق؟!
أم هل يعقل جهلهما بالمصالح، خصوصاً بعد ملاحظة أنّ النبيّ متّصل بالوحي؟! وإذا سمح للبشر ـ غير المعصوم ـ الاِفتاء بتغيّر الزمان والمكان فإلى اين ستصل فتاواه؟!
نعم إننا لا ننفي تغيّر بعض الاَحكام الجرئيّة إذا زاحم أمراً آخر أهمَّ منه.
وكذا لاننكر ـ بنحو الاِطلاق ـ تبدّل الاَحكام لتبدّل موضوعاتها، لكنّ سؤالنا: كيف يمكن الاطمئنان بقول من يدّعي أنّ هذا الحكم قد تغيّر لتبدلّ موضوعه، مع علمنا بأنَّ مبادىَ الاَحكام وغاياتها من عند الله ولايعرفها إلاّ المعصوم؟
بلى؟ لو عرفنا المعصوم تبدّل موضوع حكم، فلا محيص عن الاَخذ به باعتباره صادراً عن الله وما المعصوم إلاّ مبلّغ مأمون، وأمّا احتمالنا ذلك عن طريق الحدس والتخمين فلا يوجب الاطمئنان، وكذا الحال بالنسبة إلى اعتبار العلّة في الاَحكام، فإنّها في الغالب حكمة وليست بعلّة تامّة، فمثلاً قولنا في تحريم الزنا إنّه جاء لاَجل عدم اختلاط المياه، فهذا القول ليس بعلّة الحكم فيه بل هو الحكمة فيه، والحكمة في العدّة، هي عدم اختلاط المياه كذلك، وقد وردت هذه فيروايات كثيرة، ولكن ماذا نقول: لو رفع رحم المرأة بعمليّة جراحيّة، أو علمنا يقيناً أنّها عقيم، هل يجب عليها الاعتداد أم لا؟!
نعم يجب ذلك، لاَنَّ الله فرض ذلك لمصلحة ملحوظة في اللوح المحفوظ لميطّلع عليها البشر، فمن المجازفة والتساهل بأحكام الله القول بعدملزوم العدّة، بدليل أنّ العلّة المتخيّلة ـ هي عدم اختلاط المياه ـ قد انقضت
____________
[١] أثر الاَدلّة المختلف فيها في الفقه الاِسلاميّ: ٢٧٧ وقال بها أغلب علماء أهل السنّة قديماً وحديثاً.
===============