منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٩٤
أردنا استقصاءه لطال بنا المقام.
ومن هنا نخلص إلى أنّ مدرسة الاجتهاد كان يديرها الكبراء المترفون، وأنَّ مدرسة التعبّد المحض كان يتصدّرها الفقراء المضطهدون، فلايمكن تصوّر التحريف عند المضطهَدين وأزمّة الاَُمور بيد الخلفاء! وقد قام المحقّق محمّدبن الوزير اليمانيّ بدراسة تتبَّع فيها أحاديث معاوية وعمروبن العاص والمغيرةبن شعبة، توصَّل من خلالها إلى أنَّ الاَحاديث المرويّة عن هؤلاء وهي واحدة[١] .وهذه الدراسة تؤكّد مدّعانا من أنَّ فقه الآنفين هو فقه واحد ويصبّ في مصبّ واحد، ويوضّح وحدة الاتّجاه بينهم.
ومن هذا الباب ما نراه من أنَّ الخلفاء ـ أمويّين وعبّاسيّين ـ كانوا يتّخذون القضاء كوسيلة لتحطيم شخصيّة المخالفين، واستغلالهم فتاوى الفقهاء لمصالحهم الشخصيّة.
فقد ورد عن الرشيد أنّه استدعى ليلةً أبا يوسف قاضي القضاة، فذهب إليه فزعاً مروعاً. فلمّا دخل عليه القصر وجده جالساً، وعن يمينه عيسىبن جعفر، فقال له الرشيد: أظنُّنا روَّعناك يا أبا يوسف؟
فقال: إي والله؛ كذلك من خلفي، ولمّا سكن روعه، قال له الرشيد: دعوتك لاَُشهدك على عيسى بن جعفر، فإنّ عنده جارية سألته أن يهبها أو يبيعها فامتنع، والله إن لم يفعل لاَقتلنّه.
فقال عيسى بن جعفر: إنّ عَلَيَّ يميناً بالطلاق والعتاق وصدقة ما أملك أن لاأبيع هذه الجارية ولا أهبها.
فطلب الرشيد من أبي يوسف أن يضع له حلاًّ لهذه المشكلة، فقال أبو يوسف: يهب لك نصفها ويبيعك النصف الآخر.
فقال الرشيد لاَبي يوسف: إنّي لا أستطيع أن أصبر حتّى تبرأ بحيضتها، لاَنّها جارية مملوكة، ولابُدّ للجارية من ذلك، وإذا لم أدخل بها ليلتي هذه أخاف
____________
[١] انظر (السنّة المطهّرة والتحدّيات) لنور الدين عتر ، وتوضيح الاَفكار ٢: ٤٥٣ ـ ٤٦٣، للاِمام محمّد بن إسماعيل الصنعانيّ، والروض الباسم ٢: ١١٣ـ ١٢٩ لليمانيّ.
===============