منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٧٩
المنع المنسوب إلى ابن مسعود، يحقّ لنا أن نقول إنّ رواية الدارميّ التي تنصّ على أنّ محتوى الكتاب "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر"، لمتكن وافية، إذ لم تكن هذه الجمل فقط هي محتوى الكتاب، بل هناك أشياء أُخرى من قبيل ما مرّ ذكره في سائر الروايات. وبقرينة قول ابن مسعود في الرواية الاَُخرى: "إنّ ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة"، إذ لا يعقل توجيهه هذا الكلام لمجرّد التسبيحة والتحميدة والتهليلة والتكبيرة، مع أنّه كان يقولها صباحاً ومساءً في صلواته الخمس، ولا يعقل صدور هذا الردع لهذه الكلمات الطيّبات من مسلم عاديّ، فضلاً عن صحابيّ من كبار صحابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
والقول: بأنّ الردع في كلامه موجّهٌ إلى نفس الكتابة والتقييد، وأنّها ضلالة بغض النظر عن المكتوب، لا تساعده العبارة المذكورة ولا تدلّ عليه، لاَنّ قوله: "إنّ ما في هذا الكتاب" يدلّ على أنّ المقصود هو محتوى الكتاب، لامجرّد ومحض التقييد والتدوين، وإلاّ لقال مثلاً: "إنّ الكتابة بدعة وفتنة وضلالة".
ومثل هذا الكلام نقوله في الرواية اليتيمة التي ادّعت أنّ في الصحيفة فضائل أهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فإنّ جملة هذه القرائن تدلّ ـإن صحّت هذه الروايةـ على وجود أكاذيب ومختلقات وربّما شيء من سيرة أهل البيت وفضائلهم ممّا لا يمتّ إلى الواقع بصلة، أو ممّا بولغ فيه، ومهما يكن من شيء فإنّ الاِذعان لمحو ابن مسعود لفضائل أهل البيت محالٌ، خصوصاً بعد الفراغ من أنّ ابن مسعود كان من أكبر المحدّثين بفضائلهم والناشرين لمآثرهم.
هذا، ونرى أنّ ابن مسعود لم يكن كأبي بكر وعمر في أُسلوب المحو، لاَنّه لم يلجأ إلى أُسلوب الحرق والاِبادة الشاملة للمدوّنات، وإنّما اتّخذ أُسلوب الاِماثة بالماء، وهو الاَُسلوب الشرعيّ لمحو كتب الضلال، التي فيها اسم من أسماء الله أو الاَنبياء أو الاَوصياء والاَئمّة (عليهم السلام)، إذ يحرم الحرق، وينحصر الاِتلاف بالميث بالماء أو الدفن في الاَرض.
ويعضّد ما استنتجناه هنا ما صرّح به بعض الاَعلام، إذ قال أبو عبيد: إنّه [أي ابن مسعود] يرى أنّ هذه الصحيفة أُخذت من أهل الكتاب، فلذا كره عبدالله النظر فيها. وقال مرّة: أما انّه لو كان من القرآن أو السنّة لم يمحُهُ، ولكن
===============