منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٠٥
الرسول، وهذا فيه ما فيه.
الثاني: أن يكون الخليفة قد أمر بكتمان ما أنزل الله على لسان نبيّه.
وهذان الوجهان لا يلتزم بهما، ولا بواحد منهما ابن حزم وأتباعه، وإن كنّا نميل إلى الاَوّل منهما ـمع ضميمة شيء آخر معهـ بقرينة اتّهام عمر لعمّاله ومُشاطرته أموالهم، وبملاحظة سيرته: من شدّته على الصحابة وضربه إيّاهم: فمُجمل سيرة عمر مع الصحابة تدلّ بوضوح على أنّه كان لا يثقُ بالصحابة وأنّه كان يجابههم بأنواع الكلام اللاذع، وكان يظهر معايبهم على ملاَ من المسلمين.
وعلى كلِّ حال، فإنَّ ابن حزم ومن جرّ جرّه لا يرتضي هذين الوجهين، لذلك اضطرّوا إلى حمل نهي عمر على النهي عن التحديث بأخبار الاَُمم السالفة، وهذا حَمْلٌ تَبَرُعيّ لم يدلّ عليه دليل من روايات منعه؛ لاَنّها جميعاً مطلقة، ولاَنّ سيرته في المنع أعمّ من هذا التخصيص، ولاَنّ قسوته بلغت حدّاً لايفرّق بين التحديث بالسنّة أو بأخبار الاَُمم، حتّى أنّه منع عمّاراً في تحديثه بواقعة قطعيّة وقعت له في زمن النبيّ ـالتيمّمـ كان عمر نفسه شاهِدَها.
وعليه فالخبر لا يمتّ إلى ما قيل عن الاَُمم السالفة إلاّ بنحوِ عناية، وهي إحدى الوجوه التي نذهب إليها في منع الخليفة عمر بن الخطّاب عن التحديث. وذلك يتّصل بخلفيّات نفسيّة الخليفة عمر، إذ الثابت عنه أنّه كان قد واجه منعاً نبويّاً صارماً من التحديث على عهد رسول الله، وذلك بعد أن نهاهُ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن تتبّعه لاَخبار اليهود وتحديثه بها في بدء الدعوة، فيحتمل أن يكون نهيه اليوم هو نتيجة ردّة فعل سلبيّة مُني بها من عهد الرسول، فصار عمر يكره التحديث والتدوين بشكل مطلق، سواء كان من سنّة النبيّ أو غيرها، وسواء كان من صحيح ما ورد من أخبار الاَُمم السالفة أو سقيمها، فقد ورد عن خالدبن عرفطة أنّ عمر قال: انطلقتُ أنا.. فانتسخت كتاباً من أهل الكتاب ثمّ جئت به في أديم.
فقال لي رسول الله: ما هذا في يدك يا عمر؟
قلت: يا رسول الله، كتاب انتسخته لنزداد به علماً إلى علمنا.
فغضب رسول الله حتّى احمرّت وجنتاه، ثمّ نودي بـ "الصلاة جامعة"، فقالت الاَنصار: أُغضِبَ نبيّكم! السِّلاح السِّلاح، فجاؤوا حتّى أحدقوا بمنبر
===============