منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٤٢
تعالى، في حين أن رسول الله لم يبيّنها لهم وهو المبيّن لاَحكام الله.
إنّ القول بمعرفة الصحابة لغايات الاَحكام ومصالحها ومفاسدها المبتناة عليها، كانت من النقاط التي رُسمت لتصحيح الرأي والاجتهاد.
لاَنّا نعلم أنّ العقول الناقصة من الرجال لا تستطيع الاِحاطة بجميع مصالح ومفاسد الاَحكام، ومن هنا لم يجعل سبحانه وتعالى لاَحدٍ حقّ الجعل والتشريع، واختصّ ذلك بذاته المقدّسة، لاَنّه العالم المحيط بالمصالح والمفاسد.
إذاً لم يبق إلاّ أن يقال: إنّ الشريعة المحمّديّة متكاملة الاَحكام، دقيقة الاِحكام، ليس فيها حكم إلاّ وقد استبان بنحو من أنحاء الدلالة التي أرشد إليها النبيّ مَنْ اختصّه بالعلم، فكان على الراسخين في العلم أن يُبَيّنوه للناس ويستنبطوه من الكتاب والسنّة وفق ما أراده الله، لا بما اعتقدوا فيه من المصالح وإرادته العقول غير الكاملة.
وهذه الحقيقة صرّح بها الكثير من لامعي الصحابة، فخذ على سبيل المثال: الاِمام عليّ بن أبي طالب وابن مسعود، فإنّهما قد أوضحا هذه الحقيقة وأشارا إلى أنّ فهم الرجال يعجز عن إدراك الحكم الاِلهيّ وغايته، لا أنّ الحكم ليس موجوداً في الكتاب.
جاء عن عليّ بن أبي طالب: ما من شيء إلاّ وعلمه في القرآن، ولكنّ رأيالرجال يعجز عنه[١].
وعن عبد الله بن مسعود: ما من شيء إلاّ [بُيِّنَ] لنا في القرآن حكمه ولكنّ فهمنا يقصر عن إدراكه، فلذلك قال تعالى (لِتُبيّن للناس ما نُزِّل إليهم)[٢].
إنّ قول عليّ بن أبي طالب وابن مسعود صريح الدلالة على أن الاَحكام موجودة في كتاب الله وأنّ رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) مكلّف بتبيين ذلك للناس، وقد أمر سبحانه المؤمنين بالرجوع إليه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، بقوله (فإنْ تنازعتم في شيءٍ فُردّوه
[١] انظر حجّيّة السنّة: ٣٢٩ عن الحجّة للمقدسيّ، وفي الكافي ١: ٦٠ ح٦ عن الصادق (عليه السلام): ما من أمر يختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله ولكن لا تبلغه عقول الرجال.
[٢] حجّيّة السنّة: ٣٢٩ عن ابن أبي حاتم، والآية : ٤٤ من سورة النحل.
===============