منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١٢
قال أبو مليح: كنّا لا نطمع أن نكتب عند الزهريّ حتّى أكره هشامٌ الزهريَّ، فكتب لبنيه، فكتب الناس الحديث[١].
وقد بسطنا الكلام على هذا في كتابنا "وضوء النبيّ| المدخل"، ووضّحنا دور الحكّام في تدوين السنّة الشريفة، وبيّنّا سرّ عنايتهم بهذا الجانب، وأكدّنا على أنّ العوز العلميّ الذي كانوا يعانون منه هو الذي دعاهم إلى المنع ثمّ دعاهم إلى التدوين؛ لاَنّ الصحابة كانوا يعارضونهم بالاَحاديث، فما لا محيص عنه هو منع التحديث والتدوين لسدّ هذا الفراغ ولكي لا يظهر الضعف العلميّ أمام تيّار فكريّ قويّ يعارض آراء الحكومة بما يرويه عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
وتطوّر الاَمر وتوسّع حتّى قنّن نهج الاجتهاد حجّيّة الاِجماع ـ كي يلزموا الناس بما أجمعت عليه الاَُمّة بأمر الخليفة ـ وقرّروا أنّ إفتاء اللجنة الخاصّة التي وضعها الخلفاء يقوم مقام جميع الصحابة، ويعتبر ذلك إجماعاً لايجوز تخطّيه ولاخرقه.
قال الدكتور الوافي المهدي عن عصر الصحابة: "... وفي هذا العصر ظهر مصدر جديد من مصادر التشريع الاِسلاميّ لم يعرف في العهد التأسيسيّ للتشريع ألاَ وهو الاِجماع، فإنّ أبا بكر كان يشرّع فيما لا نصّ فيه من كتاب ولاسنّة عن طريق جمعيّة تشريعيّة. وكذلك الاَمر بالنسبة لاَوّل خلافة عمر، وكان ما يصدر عن تلك الجمعيّة التشريعيّة من أحكام يعتبر صادراً عنهم جميعاً[٢].
وقد شكّل بالفعل الخليفة عمر بن الخطّاب لجنة علميّة لاِدارة شؤون المسلمين ولسدّ احتياجاتهم وطلباتهم الشرعيّة، وأناط بمن يثق به منصب الاِفتاء حتّى يتفرّغ لاَُمور أُخرى.
روى عليّ بن رباح اللخميّ، قال: إنّ عمر خطب الناس، فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأتِ أُبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الحلال والحرام فليأتِ معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيدبن ثابت، ومن
____________
[١] حلية الاَولياء ٣: ٣٦٣، البداية والنهاية ٩: ٣٤٥ كما في الرواية التاريخيّة: ١٠٧.
[٢] الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: ٤٦ عن خلاصة تاريخ التشريع الاِسلاميّ : ٤١.
===============