منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٣٠
وبين الخليفة.
وقد وضَّح الدكتور مدكور هذه الحقيقة بعبارة أُخرى فقال: ...واجتهاد الصحابة لم يقف عند القياس وإنَّما شمل كلّ وجوه الرأي؛ عمدتهم في ذلك البديهة والفطرة وما لمسوه من روح التشريع، مع وعي كامل للاَساس العقليّ الذي يقوم عليه الرأي، والدور الذي يؤدّيه في إظهار الاَحكام الشرعيّة، فاجتهدوا وهم على بيّنة من أمرهم.
وكانت اجتهاداتهم متنوّعة، فمنها ما يعتمد على القياس، ومنها ما يعتمد على المصلحة، وهكذا بالنسبة للمصادر العقليّة التي عرفت فيما بعد بأسماء اصطلاحيّة.
ثمّ يقول: ... ومن الطبيعيّ أنّ الاجتهاد بالرأي يترتّب عليه اختلاف وجهة النظر، والتفاوت في الفتاوى والاَحكام، ولمّا تفرّق الفقهاء مع هذا في الاَقاليم كانوا نواة الاتّجاهات المختلفة التي نشأت عنها مدرسة الحديث ومدرسة الرأي[١].
وقال الدكتور ديب البغا في معرض بيانه لوجوه أدلّة النافين لحجّيّة قول الصحابيّ:
إنّ الصحابة قد اختلفوا في مسائل، وذهب كلُّ واحد خلاف مذهب الآخر، كما في مسائل (الجدّ مع الاِخوة) وقول القائل (أنتِ عَلَيّ حرام) وغيرها، فلو كان مذهب الصحابيّ حجّة على التابعين، لكانت حجج الله متناقضة مختلفة ولميكن اتّباعُ التابعيِّ للبعض أولى من البعض الآخر[٢].
فالذهاب إلى مشروعيّة الاجتهاد، يعني شرعيّة تعدّد الآراء، وكذا اختلافها!!
فعمربن الخطّاب حينما رأى ضرورة استخدام الاجتهاد كمنطلق ومبرّر في فهم الشريعة ، كان عليه أن يسمح للآخرين في الاِفتاء كذلك، حتّى يصحّ
____________
[١] مناهج الاجتهاد في الاسلام: ٧٩ ـ ٨٠.
[٢] أثر الاَدلة المختلف فيها في الفقه الاِسلاميّ، للدكتور مصطفى ديب البغا:٢٤٧.
===============