منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٢٠
التدوين في العصر العبّاسيّ كاد يكون مرتفعاً، إلاّ أنّ الاِشكاليّة كانت في أنّ انفتاح الحكّام العبّاسيّين على الاَُمم المجاورة من الفرس والاَتراك وغيرهم، والترف الذي بدت بوادره في عصر المنصور ووصل أوجَه في زمن الرشيد، كان له أشدّ الاَثر في صرف الناس عن العلم الاِلـهيّ، وانصرافهم إلى اللهو والمجون، أو إلى علوم فرعيّة أُخرى، بل أصبح الارتباط النفسيّ والعقائديّ أمراً متعسّراً، والحصول على العلم الحقيقيّ في مثل تلك الاَمواج المتلاطمة أمراً يكاد يكون مستحيلاً.
فمن هنا أكّد الاِمام جعفر على ضرورة حفظ المدوّنات لكي يأنسوا بنور تلك الكتب في ظلمات الاختلاف والسياسات.
وقد ورد النصّ عن الصادق بأنّه وأصحابه كانوا لا يضيّعون حتّى فرصةً واحدة يمكن استغلالها بالتدوين، فقد ورد أنّ الصادق (عليه السلام) قال لاَحد أصحابه: إنّك لا تحفظ، فأين صاحبك الذي يكتب لك؟
فقلت: أظنّ شغله شاغل، وكرهت أن أتاخّر عن وقت حاجتي.
فقال الصادق لرجل في مجلسه: اكتب له[١].
هذا، وقد دوّن أصحابه ما قاله في أُصول وكتب، وكان (عليه السلام) له رسائل كتبَها ردّاً على الملحدين[٢]، وجواباً لاسئلة عبد الله النجاشيّ (والي الاَهواز)[٣]، وبياناً لبعض الاَحكام الشرعيّة سمّيت بـ "الجعفريّات" أو "الاَشعثيّات" نسبة إلى راويه ابن الاَشعث[٤].
وقال يحيى بن سعيد: أملى عَلَيَّ جعفر الحديث الطويل ـ يعني في الحجّ ـ[٥].
____________
[١] دلائل الاِمامة، للطبريّ: ٣٠٨.
[٢] انظر الذريعة ٢: ٤٨٤، وقد أوردها المجلسيّ في البحار ٣: ١٥٢ ـ ١٩٦.
[٣] أوردها ابن زهرة الحلبيّ في أربعينه: ٤٦ ح٦.
[٤] طبع هذا الكتاب عدّة مرات بطبعات مختلفة.
[٥] انظر تهذيب التهذيب ٢: ١٠٣.
===============