منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٠٣
وعن طارق، قال: رأيت عليّاً على المنبر وهو يقول: ما عندنا كتاب نقرأه عليكم إلاّ كتاب الله وهذه الصحيفة[١].
فإنّ هذين النصّين ـ وما شابههما من النصوص ـ يكشفان معالم مهمّة حول كتاب عليّ والتدوين، إذ يبدو أنّ قسماً من المسلمين نتيجة لتراكم الجهل بالتدوين وفوائده، والتحديث وآثاره، والجهل بالتنزيل والتأويلو...، نتيجة لذلك كلّه كان بعض المسلمين يستغربون أن يكون عند عليّ (عليه السلام) كتاب أو كتب في علوم الاِسلام، ولعلّهم كانوا يرمونه بأنّه كتاب "غير كتاب الله" أو أنّه "قرآن آخر" كما يزعمه اليوم بعض كتّاب المسلمين، الذي لم يحيطوا علمّا بدقائق أُمور التدوين والمدوّنات الموجودة في الصدر الاَوّل فكأنّ الاِمام عليّ أراد أن يوضّح حقيقة الاَمر، وأنّه إنّما يستلهم علومه من كتاب الله والصحيفة التي كتبها عن رسول الله، التي هي بمنزلة تفسير شامل للقرآن الكريم وما نزل به الوحي في جميع أبعاده ومفاداته، وليس فيما يقول به شيء خارج عن هذين المصدرين الاَساسيّين.
فكلام الاِمام عليّ هذا ناظر إلى دفع شبهة أو فِرية وجود كتاب آخر يضاهي أو يغاير كتاب الله، فلذلك خصّ الراوي مقدار الجراحات وشيء من أسنان الاِبل وغيرها بالذكر التفصيليّ، لاَنّها معهودة عندهم وعرفوا حكمها على عهد رسول الله وليس فيها شيء ممّا لم يطرق أسماعهم إجمالاً وإن جهلوا محتوياته تفصيلاً، وكأنّ ذلك المقام اقتضى أن يخصّ بالذكر الصحيفة، إذ الكلام ليس مسوقاً لنفي مدوّنات أُخرى عند الاِمام عليّ، لثبوت كتب أُخرى عند أهل البيت غير هذه كما سيأتي تفصيله.
وبهذا يكون معنى قوله (وهذه الصحيفة) إشارة إلى أنّه لا يقول بشيء إلاّ وقد صدر عن رسول الله فيه أصل.
والحقّ أنّ "كتاب عليّ" كان هو رأس العلوم وأجلّ الكتب قدراً عند أهل البيت، فلذلك كان تأكيد عليّ وأولاده عليه تأكيداً شديداً حتّى أنّ ابن سيرين تمنّى أن يرى ذلك الكتاب أو يحصل عليه، لقوله: لو أصبت هذا الكتاب لكان
____________
[١] تقييد العلم: ٨٩.
===============