منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٦٦
نعم، إنّ فضائل ابن مسعود في الكتب الاَُخرى أكثر ممّا عند الشيعة، والكلّ يشهد بجلالة قدره، وعظيم منزلته.
فما نقله الخطيب البغداديّ، وما استدلّ به السادة الاَعلام فيما سبق، لايكون إذَن دليلاً لما ذهبوا إليه، إذ إنّ جملة "أحاديث في أهل البيت، بيت النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلم)" ليس فيها تصريح بأنّ الاَحاديث كانت في فضائل أهل البيت، بل يحتمل أن تكون الاَحاديث في ذمّ أهل البيت أو الغلوّ فيهم، والاَخير يتطابق مع ما نقلناه عن سيرة ابن مسعود وما رواه من فضائل فيهم. هذا أوّلاً.
وثانياً: فإنّ ما قاله المدّعي من "أنّ المنع من التدوين جاء لمحو الفضائل وأدلّة الاِمامة" لا يتطابق والنهي العامّ الصادر عن عمر، إذ الدليل أخصّ من المدّعى، فعمر بن الخطّاب نهى نهياً عامّاً، وطلب ممّن عنده الاَحاديث أن يأتوه بها: "ليرى أعدلها وأقومها".
فلو كان يريد محو الفضائل وأدلّة الاِمامة فقط وكان هدفه هذا لاغير لاَمكنه، حينما أُتي بالمدوّنات إليه، أن يمحوها ويجعل ما بقي في كتاب، ثمّ يأمرهم بأخذ الفرائض منه، أمّا أحاديث: التفسير، والاَخلاق، والفضائل، والوعظ، والاِرشاد، وما شابه ذلك فكان يحيله على من يتصدّون للوعظ والاِرشاد، ومن يثق به الخليفة، وكان بذلك قد عُمّي الاَمر على المسلمين وخفي عليهم، والتبس الحقّ بالباطل.
ثمّ إنّ تعليل منع التدوين بطمس الفضائل يلزم منه القول بأنّ عمر كان لايجرؤ أن يمنع من التحديث بفضائل عليّ وأهل البيت خصوصاً، فالتجأ إلى أُسلوب المنع العامّ تخلّصاً من تبعات المنع من التحديث بالفضائل حسب.
إلاّ أنّ المتتبّع لسيرة عمر يعلم أنّ الخليفة كان شديداً غليظاً، لايهاب أحداً. وثبت في التاريخ هجومه على المتحصّنين في بيت فاطمة من الذين لم يرتضوا مبايعة الخليفة أبي بكر، وفيهم: عليّ، والعبّاس، والفضلبن العبّاس، والزبير، وخالد بن سعيد، والمقداد، وسلمان، وأبو ذرّ، وعمّار، والبراءبن عازب، وأُبيبن كعب[١]، وسعد بن أبي وقّاص، وطلحة بن عبيد الله... فأقبل
____________
[١] انظر تاريخ اليعقوبيّ ٢: ١٠٣.
===============