منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٦٩
والحديث يقف على نصوص كثيرة في هذا السياق[١].
من المؤكَّد إذن أنّ عمل هؤلاء الصحابة ليس دليلاً على كراهيّة تدوين السنّة النبويّة من قبل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم). ولا يسعني هنا إلاّ أن أُشير إلى قضيّة أُخرى وهي ما جاء في كتاب تقييد العلم وغيره من: أنّ الصحابة كانوا يكتبون حديث الرسول كي يحفظوه، ولمّا حفظوه مَحَوه. فهذا الخبر لو جُمع إلى ما قيل عن الصحابة من أنّهم كانوا يُفتون في كثير من الاَحيان بالرأي، لوصلنا إلى نتيجة نجد فيها اختلاط الرأي بالحديث بحيث لا يمكن التمييز بينهما، ولاَجله ترى الكثير من المأثور النبويّ ما هو إلاّ كلام الصحابيّ.
تلخّص ممّا مرّ أنّ الشيخين كانا وراء منع التدوين، وأنّ المنع كان موقفاً شخصيّاً فرضته الظروف عليهما ولم يكتسب شرعيّته من النصوص، إذ قال الشيخ محمّد أبو زهو في كتابه "الحديث والمحدِّثون" عن النهي: "... وقد كان هذا رأياً من عمر[٢]". قال يحيى بن جعدة: إنّ عمر بن الخطّاب أراد أن يكتب السنّة ثمّ بدا له أن لا يكتبها، ثمّ كتب في الاَمصار: (مَن كان عنده منها شيء فليمحه)!
إنّ تعابير (أراد) و(بدا له) و(ثمّ كتب في الاَمصار) تدلّ بوضوح على أنّ إقدام الخليفة عمربن الخطّاب كان بدافع من رغبته الشخصيّة وإرادته الخاصّة، كما في دلائل "التوثيق المبكّر": أنّ هؤلاء الذين كانوا قد وقفوا في معارضة كتابة الحديث كانت لهم أسبابهم الشخصيّة في ذلك، بل وحتّى الفاروق الذي كان يُعدّ من أشدّ معارضي الكتابة لم ينقل أو يستشهد بأيّ حديث للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يؤيّد وجهة نظره المعارضة للتسجيل[٣].
وكذا قول القاسم بن محمّد بن أبي بكر: إنّ عمر بلغه أنّه قد ظهر في أيدي الناس كتب، فاستنكَرَها وكرهها، يدلّ على أنّ الكراهة جاءت من عمر
____________
[١] انظر مثلاً جامع بيان العلم وفضله١: ٧٤ وتقييد العلم: ٦٤.
[٢] الحديث والمحدّثون: ١٢٦.
[٣] التوثيق المبكّر: ٢٣٩ كما في تدوين السنّة الشريفة: ٢٨٨.
===============