منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٥٢
ذرّ" وابن مسعود وغيرهم.
ثمّ إنّ ما فعله عمر بن الخطّاب من حظر التحديث والتدوين، وجمعُهُ للصحابة المحدِّثين في حوزته إلى آخر حياته ـ من أمثال أبي ذرّ وابن مسعود وأبي مسعود وغيرهمـ ليشير بوضوح إلى افتعال ما نُسب لهؤلاء من روايتهم أحاديث منع التدوين والتحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ثبت من جهة أنّ الخليفة عمربن الخطّاب منع هؤلاء وفرض عليهم الاِقامة الاِجباريّة في المدينة، لتحديثهم عن رسول الله فلا يعقل في الجهة المقابلة أن يكون هؤلاء هم رواة أحاديث منع التدوين!! إذ لو كانوا كذلك لالتزموا بما سمعوا من منع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولما حدّثوا عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بشيء.
بلى، لو صحّ أنّهم من مانعي الرواية والتحديث لما احتاج الخليفة إلى جمعهم ونهيهم عن التحديث، لاَنّه تحصيل حاصل.
ثمّ ألم يكن في هذا القول ازدراء للصحابة؟ وتكذيب لما قاله ابن حجر عنهم: "فنفى عنهم الكذب والخطأ والسهو والريب والفخر"!
وإذا كان نقل الصحابة قد جاء تدريجيّاً واجتهاداً منهم، فهل يجوز لعمر نقض ما فعلوه؟
وإن لم يكن كذلك، فكيف يأمرهم أن يأتوه بمدوّناتهم؟
ألم يكن ذلك دليلاً على الجواز؟
وهل يعقل أن يمنع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من تناقل حديثه الذي فيه بلاغ للناس؟ وهو القائل "رحم الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فبلغها عني"
والعجيب أنّهم يدّعون أنّ في المنع احتياطاً للدين، ويفوت عليهم أنّ منع المنع هو الاحتياط للدين، لاَنّ معنى المنع هو ضياع كثير من الاَحكام وعدموصولها للمسلمين وإخفاء حكم الله، وأمّا التحديث والتدوين فهو وإن كان عرضة للخطأ والتصحيف وو... لكنّه أَعوَدُ على المسلمين من بقائهم في الجهل وعدم معرفة الاَحكام.
ولو تنزّلنا وقلنا بأنّ الخليفة الثاني منع من التدوين احتياطاً للدين، فإنّنا سنواجه مشكلة في سيرة الخليفة من كونه حادّاً سريعاً في اتّخاذ المواقف منذ
===============