منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٨٩
(صلّى الله عليه وآله وسلم) وبيَّن لهم الصحيح المُنزل من الله سبحانه وتعالى.
لكنّ الدراسة الوافية تقودنا إلى أن نصرّح بحقيقة مرّة مفادها أنّ الكثير من سالكي هذا المسلك لم يرتدعوا ولم ينقادوا لما وُضِّح لهم، بل سعو وجدّوا في ترسيخ فكرتهم بعد رسول الله، ناسين أو متناسين وصايا الشارع المقدّس.
فمع بداهة عصمة دم من شهد الشهادتين، وتأكيد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على هذا في بدء الاِسلام نرى أُسامة بن زيد يقتل مرداس بن نهيك حين أغارت السريّة على قوم فيهم مرداس، وكان قد أسلم فلم يهرب من السريّة، فلمّا رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل، فلمّا تلاحقوا وكبّروا كبَّر ونزل، وقال: لا إله إلاّالله، محمّد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أُسامةبن زيد وساق غنمه، فأخبروا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فوجد وجداً شديداً، وقال: قتلتموه إرادةَ ما معه؟! ثمّ قرأ الآية (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لستَ مؤمناً)[١].
وأصرح من ذلك ما فعله خالد بن الوليد ببني جذيمة، قال ابن الاَثير في أحداث سنة٨ هجريّة:
وفي هذه السنة كانت غزوة خالد بن الوليد بني جذيمة، وكان رسولالله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد بعث السرايا بعد الفتح فيما حول مكّة يدعون الناس إلى الاِسلام، ولميأمرهم بقتال، وكان ممّا بعث خالد بن الوليد، بعثه داعياً ولم يبعثه مقاتلاً... فلمّا نزل خالد ذلك الماء أخذ بنو جذيمة السلاح، فقال لهم خالد: ضعوا السلاح فإنّ الناس قد أسلموا، فوضعوا السلاح، فأمر خالد بهم فكُتّفوا. ثمّ عرضهم على السيف فقتل منهم من قَتَل، فلمّا انتهى الخبر إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) رفع يديه إلى السماء ثمّ قال: اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد، ثمّ أرسل عليّاً ومعه مال وأمره أن ينظر في أمرهم، فوَدّى لهم الدماء والاَموال...[٢] واستمرّ هذا النهج، وظلّت تلك العقليّة تحكم وتؤثّر في الاَحداث والاَُمور حتّى في زمن الشيخين، قال ابن حجر: وكان فيه [أي في خالد] تقدّم
____________
[١] النساء : ٩٤ . انظر تفسير الفخر الرازيّ ١١ : ٣ ، والكشّاف ١ : ٥٥٢ ، وتفسير ابن كثير ١:٨٥١ـ٨٥٢.
[٢] الكامل في التاريخ ٢ : ٢٥٥ ـ ٢٥٦ . وانظر سيرة ابن هشام ٤ : ٧٠ ـ ٧٨ .
===============