منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١٣
أراد أن يسأل عن المال فليأتِني؛ فإنّي له خازن[١].
هذا النصّ يؤكّد على أنّ الخليفة احتاج إلى تأسيس مركز لدرء الخطر عن نفسه، ولتأصيل ما يذهب إليه من رأي واستحسان.
ومن المفيد التذكير هنا بأنّ اتّخاذ الرأي كمنهج في الاَحكام لميكن عمر هو أوّل من اعتمده، بل سبقه إلى ذلك الخليفة أبو بكر، إذ عرفت تخطّيه عن قتل الرجل المتنسِّك لِما رأى من خشوعه وعُلِمَ إعلانه عن مبدأ الرأي والاجتهاد في أوّل حكومته حين قال: "ولّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أصبت فأعينوني، وإن أخطأت فقوّموني"، وكذا قوله عن فعل خالد: إنّه تأوّل فأخطأ[٢]٨.
وكذا اعتذار خالد لاَبي بكر: يا خليفة رسول الله! إنّي تأوّلت وأخطأت[٣].
موقف أهل البيت من المدّ الاجتهاديّ
هذه النصوص تؤكد ـ من جهة أُخرى ـ على أنّ مصطلح الرأي والتأويل راح يأخذ مجاله بين أقوال الصحابة وأفعالهم. ولذلك كان الاِمام عليّ (عليه السلام) أيّامَ خلافته يحاول معالجة وسدّ هذه الثغرة التي فُتحت على الفقه والتاريخ والدين الاِسلاميّ، ويبيّن سبب ذلك، ويصنّف الناس المختلفين في الاَحكام، ويبرهن على بطلان منهجهم ودعاواهم المطلقة العنان، وإليك بعض النصوص عنه (عليه السلام) في الرأي، تتَّضح المسألة بمزيد من الجلاء. قال ـ من كلام له في ذمّ اختلاف العلماء في الفُتيا ـ:
"تَرِد على أحدهم القضيّة في حكم من الاَحكام، فيحكم فيها برأيه، ثمّ ترِد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلافه، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الاِمام الذي استقضاهم فيصوّب آراءهم جميعاً، وإلـههم واحد! ونبيّهم
____________
[١] المستدرك على الصحيحين ٣: ٢٧٢.
[٢] الاِصابة ٣: ٣٥٧.
[٣] راجع تاريخ الطبريّ وغيره.
===============