منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٣١
اجتهاده، وكي يجد في كلام الآخرين ما يؤيّد كلامه ويفسّره، أو أن يُحترم رأيه ويسكت عنه على أقلّ تقدير.
إنّ أمره قرظةَ بالاِقلال في الحديث ثمّ تجويز الاجتهاد للصحابة، ممّا يبرهن على أنّ الخليفة كان يريد نقل مدار التشريع وتعديته من النصوص الشرعيّة إلى الاَخذ بآراء الرجال وقد أشار بعض الصحابة إلى خطأ هذه الفكرة وإلى أنّ الحقّ لا يُعرف بالرجال، فجاء عن الاِمام عليّ: أنّك لملبوس عليك، إنَّ الحقّ والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.
فالخليفة ـ وبتوسيع وتحكيم دائرة الاجتهاد ـ كان يريد أن يعطي لنفسه مكانة فيالتشريع ، من خلال السماح بالاجتهاد لغيره.
فالمدبّر السياسيّ في عهد الخلافة الراشدة ليعلم أنّه لا يمكنه أن يطبّق ما يريده لو جرّد عن الدور التشريعيّ، وممّا لا محيص عنه أن يجعل الحقّ لنفسه أكثر من غيره، لاَنّه الاَجدر بمزاولة التشريع لكونه متصدّياً لمنصب الخلافة.
وقد تدرّج الخليفة وانفرد بسلّم الفتيا فعلاً ، فصار بعد برهة من الزمان يطلق العنان لنفسه ـ خاصّة في الاِفتاء ـ بالرأي والاجتهاد وتعرّف المصلحة ويحكرها على نفسه ويحظره على باقي المسلمين أو يحدّ منه ، أو يجعل رأيه ونظره هو الراجح المطلق أو الاَرجح الذي لا يُجارى .
من هنا انطلقَ ليحدّد معالم ما رسمه في الاجتهاد سابقاً كي يجعل النصيب الاَوفر له، فتراه يجيب عن المسائل بمفرده دون أن يستشير أحداً من الصحابة ولم يرتضِ قبول رأي آخر يعارض رأيه، وصار داعياً إلى اتّباع رأيه وسيرته بعد أن كان سائلاً وباحثاً عن سنّة رسول الله، وأصرَّ على الاَخذ برأيه وإن خالف سنّة رسول الله والذكر الحكيم؛ لاَنّه أعلم منهم بأحكام الله وسنّة رسوله ـ على حدّ قوله لمن جمعهم من الصحابة ـ فقال لهم: "لا تفارقوني؛ فإنّي أعلم منكم ، آخذُ منكم وأردُّ عليكم".
وفوق ذلك أنَّ الخليفة لم يكتفِ بهذا المقدار، بل تراه لا يسمح لعماربن ياسر وغيره من الصحابة أن يذكّروه بما فعله أيّام رسول الله.
أخرج النسائيّ: أنّ رجلاً أتى عمر، فقال: إنّي اجنبت فلم أجد ماءً؟
===============