منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٠٦
على أنّ بروز ظاهرة استدلال الاِمام عليّ والحَبْر ابن عبّاس بكثرة كاثرة على الاَحكام المختلف فيها، بمنطوق الكتاب أو مفهومه أو كنهه، أو بأحد أنواع الدلالات الاَُخرى ليدلّ بما لا يقبل الشكّ على أُمور:
أوّلها: إرشاد المسلمين عمليّاً إلى إمكان استنباط الاَحكام الشرعيّة أو الكثير منها من كتاب الله، وذلك بالتأمّل، والتفكير، والاستنتاج، والعقليّة الفقهيّة السليمة، وهذا برهنةٌ منهما على مايدّعيانه من عدم الضرورة الملجئة إلى اختراع مقاييس جديدة، وإنشاء قواعد مستحدثة، وإطلاق عنان الاجتهاد والرأي؛ إذ من الممكن الواقع معرفة الاَحكام من خلال آيات الكتاب والاستدلال بها.
وثانيها: وقوع الاختلاف الفاحش بين الصحابة ومرويّاتهم، بل بين مرويّات الصحابيّ الواحد في الواقعة الواحدة، بالاِضافة إلى المسموعات الناقصة التي تلقّوها عبر واسطة أو أكثر دون السماع المباشر، مع ملاحظة عدمتنبه جميع الرواة لوجه الحكم المروي أو المسموع إلى جوار منع الحكّام للتحديث والتدوين وخوف الصحابة... هذا كلّه مجتمعاً جعل الاحتجاج بالسنّة أمراً متعسّراً قليل الجدوى، ضعيف الاقناع اللّهمّ إلاّ ما تطابَق النقل فيه، ـ وهو نزر قليل ـ ممّا يجدر معه باللبيب أن يعمد إلى الاحتجاج بالقرآن الذي لميجرؤ أحدٌ على ردّ الاستدلال به.
وثالثها: هو إلزام أتباع نهج الاجتهاد بما ألزموا به أنفسهم، من كفاية كتاب الله (حسبنا كتاب الله) في حلّ المعضلات، ممّا يظهر التهافت البيّن بين هذه الكلّيّة التي أطلقوها وبين إخفاقهم على الصعيد العلميّ والعمليّ في تطبيقها واستنتاج بعض مفرداتها، بعكس الملتزمين بنهج التعبّد الذين يرون ضرورة إشفاع الكتاب بالسنّة لبيان الاَحكام، مع امتلاكهم القدرة الفائقة على استخراج الاَحكام واستنباطها من آيات الذكر الحكيم.
وعلى كلّ حال.. فالفقه الاِسلاميّ قد تأثّر بلا ريب باجتهادات الخليفة، وانعكس اختلاف وجهات نظره على الاَحكام، لاَنّه جَدَّ في لزوم تطبيق ما أفتى به وجعله بمنزلة السنّة التي أكّد الرسول عليها، فقد تأثّر البعض من الصحابة بهذه الرؤية وألزموا أنفسهم بالسير على نهج الشيخين، وبذلك ترى الاختلاف
===============