منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١١
المفسّرين للقرآن المدوّنين لآثار النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأحكامه.
نعم، يصحّ هذا التعليل للمنع عن تدوين آرائهم الخاصّة وفتاواهم الشخصيّة وما توصّلوا إليه من اجتهادات مختلفة، فإنّ المنع عن تأليف مثل هذه الكتب قد يكون فيه المبرّر المعقول، باعتبار أنّ مثل هذه الكتب فيها الصحيح والخطأ والغثّ والسمين وربّما أُلِّف كتاب من شخص منحرف عن الدين، وبذلك تختلط الاَحكام على الاَجيال القادمة من المسلمين، وأمّا تدوين المسموعات عن النبيّ والآثار النبويّة المباركة فلا يتلائم منعه مع التعليل المذكور.
ولعلّ هذا الاَمر فات على البعض من الذين فسَرَّوا المنع بسبب كتب العلماء، إلى المنع عن كتابة السنّة المباركة، غفلةً منهم عن أنّ الدليل لايفي ولايقوم بالمدَّعى، وصادف ذلك منع الخليفة عمر بن الخطّاب، فاستقرّ الاَمر في نفوسهم، وظلّ المنع يسري إلى الاَجيال الآتية حتّى ارتفع ذلك المنع في زمن عمر بن عبد العزيز.
وعلى كلّ حال، فإنّ الاَدلّة تُخبر عن مشروعيّة التدوين في عهده(صلّى الله عليه وآله وسلم) وتُخبر عن أنّ المنع جاء متأخّراً وتحت ظروف خاصّة. وقد تأكّد كذلك أنّ من الصحابة والتابعين من كان يريد ترسيخ نهي الخليفة في قلوب المسلمين، حتّى صار التدوين عندهم مكروهاً لكراهيّة الخليفة عمر بن الخطّاب له، ثمّ صار هذا المكروه عندهم حسناً لما نَدَب الخليفة عمر بن عبد العزيز إليه!
قال الزهريّ: كنّا نكره كتابة العلم، حتّى أكْرَهَنا هؤلاء الاَُمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحداً من المسلمين[١].
وفي سنن الدارميّ: حتّى أكرهنا السلطان على ذلك[٢].
وفي آخر: استكتبني الملوك فأكتَبْتُهُم، فاستحييت الله إذ كتبتها للملوك ولا أكتبها لغيرهم[٣].
____________
[١] تقييد العلم: ١٠٧، الطبقات الكبرى ٢: ٣٨٩، البداية والنهاية ٩: ٣٤١.
[٢] سنن الدارميّ ١: ١١٠.
[٣] جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البرّ ١: ٧٧.
===============