منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٤
روى رافع بن خديج، قال:مرّ علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوماً، ونحن نتحدّث، فقال: ما تحدّثون؟
فقلنا: ما سمعنا منك يا رسول الله.
قال: تحدّثوا، وليتبوّأ مقعده ـ من كذب عليّ من جهنّم!
ومضى لحاجته، وسكت القوم، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): ما شأنهم لا يتحدّثون؟!
قالوا: الذي سمعناه منك يا رسول الله!
قال: إنّي لم أُرِدْ ذلك، إنّما أردتُ من تعمّد ذلك، فتحدّثنا.
قال: قلتُ: يا رسول الله! إنّا نسمع منك أشياء، أفنكتبها؟
قال: اكتبوا، ولا حرج[١].
وهذا النصّ صريح فيما قلناه، من أنّ التحديث والتدوين كانا أمراً جائزاً مشروعاً في عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ جملة "تحدّثوا" تؤكد جواز التحديث مع لزوم التثبّت فيه حتّى لا يقع أحد في الكذب عليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ احتمال كذب الراوي، أو التخوّف من الكذب لا يسوّغ للخليفة إهمال الحديث.
بل إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا إلى التثبّت في نقل الرواية، لمعرفة صحيحها من سقيمها، ولم يُشرّع (صلى الله عليه وآله وسلم) سدّ باب الرواية والتحديث، فكان على الخليفة أن يصحّح الاَحاديث؛ إن كان فيها شيء مكذوب حذفه، وإن كان فيها ما يوجب التوضيح وضّحه، وإن كان فيها أمر آخر أشار إليه، لا أن يُبيد ما جمعه، بفرض الشكّ والاحتمال.
إنّ العلم عموماً ممّا لا يستساغ محوه، فكيف بكلام النبيّ الكريم؟! وعلى هذا فالمرويّات ممّا لا يجوز إحراقها بحال من الاَحوال خصوصاً وأنّ أكثرها ممّا فيه اسم الله وأحكامه التي لا يجوز إهانتها بتاتاً. وإنّه إذا أراد إتلافها كانت أمامه سبل أُخرى لا غبار عليها، مثل محوها بالماء، أو دفنها في الاَرض أو...
ثمّ إنّ المسلمين أحسّوا بالترابط الجذريّ بين التحديث والتدوين ـ وذلك يدلّ على وعيهم وثقافتهمـ فسألوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن جواز كتابة أحاديثه إذ
____________
[١] تقييد العلم: ٧٣، الكامل لابن عديّ ١: ٣٦.
===============