منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١٥
اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ، تَصْرُخُ مِنْ جَوْرِ قَضَائِهِ الدِّمَاءُ، وَتَعَجُّ مِنْهُ المَواريثُ. إلىالله أشْكُو مِنْ مَعْشَرٍ يَعيشُونَ جُهَّالاً، وَيَمُوتُونَ ضُلاَّلاً"[١].
وقوله: "إنّما بَدْءُ وقوعِ الفِتَنِ أهواءٌ تُتَّبع، وأحْكامٌ تُبْتَدَع، يُخالَفُ فيها كتاب الله، وَيَتولّى عليها رجالٌ رِجالاً على غَيْرِ دينِ اللهِ. فَلَو أنَّ الباطِلَ خَلَصَ مَنْ مِزاجِ الحَقِّ لَمْ يَخْفَ على المُرْتادِينَ، وَلو أنَّ الحَقَّ خَلَصَ من لَبْسِ الباطِلِ انْقَطَعَتْ عنه ألْسُنُ المُعانِدين؛ ولكنْ يؤخَذُ مِن هذا ضِغْثٌ ومِنْ هذا ضِغْث فَيُمْزَجان! فَهُنالِكَ يَسْتَولي الشَّيْطانُ على أوْلِيائِهِ، ويَنْجو الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الحُسْنى"[٢].
نعم، إنّ الرأي والتأويل كانا المفردتين الاَُوليين اللتين دخلتا في الشريعة وقد حدث الخلط بينهما، فعنَوا بالرأي: التأويل، وبهما (الرأي والتأويل): الاجتهاد. أمّا مصطلح القياس والاستحسان والمصالح وغيرها فإنّما هي مصطلحات حادثة لم يرد ذكرها إلاّ في نادر من العبارات، ولمتستعمل بوسعتها الاصطلاحيّة اليوم ، وإن كانت بذورها موجودة عمليّاً وتطبيقيّاً في ذلك العصر.
حتّى بلغ الاَمر بالتابعين أن يفسّروا لفظ التأويل بالتغيير، ولايتحرّجوا عمّا لهذه الكلمة من مفهوم ومعنى، حتّى صارت سائدة مقبولة، إلى حدّ أنّهم قد طلبوا من الاِمام الحسين وألحّوا عليه لكي يُؤوِّل قضاء الله، وعنوا بكلامهم أن يغيّره بانصرافه عن الذهاب إلى العراق. فقد جاء عن عمر بن عليّ أنّه قال للحسين(عليه السلام): (فلولا تأوّلت وبايعت)؟! أي تأوّلت قضاء الله بقتلك، ببيعتك ليزيد[٣]. فمصطلح الاجتهاد معادل للتأويل وهذا المفهوم أخذ يتغّير مفهومه يوماً بعد يوم حتّى وصل إلى أوسع دوائره في العهدين الاَمويّ والعبّاسيّ.
ولم يكن ابن عوف فيما طرحه يوم الشورى من تقييد عثمان والمسلمين بسيرة الشيخين قادراً على إيقاف مدّ الرأي والتأويل الذي كان قد انتشر واتّسع بعد تأصيله من قبل الشيخين. ولم تكن محاولته حصر الاجتهاد
____________
[١] نهج البلاغة ١: ٩٥ خطبة ٤٩.
[٢] نهج البلاغة ١: ٩٥ خطبة ٥٠.
[٣] اللهوف في قتلى الطفوف: ١٢.
===============