منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٠٢
بل الكلام هو في المنسوب إلى رسول الله: هل هو حقّاً سنّته (صلّى الله عليه وآله وسلم) لكي يجب اتّباعها أم لا؟
وهل وُضع لتأييد المذهب الفلاني والخليفة الفلاني أم ليس له ارتباط بذلك، بل هو بيانٌ محض؟
ويبدو أنّ اختلاف النُّقول عن الصحابة في الاَحكام له مفهوم آخر، غير ما قالوه من إنّه نتيجة طبيعيّة للاجتهاد، ذلك لاَنّ الاختلاف يشير إلى تخالف الاتّجاهات الفكريّة الحاكمة آنذاك وليس كلّ اختلاف يمكن تعليله بأنّه اجتهاد رأي ـ كما يقولون ـ.
فلنأخذ البسملة مثلاً، فلو راجعت كتب الصحاح والسنن لرأيت الاَقوال فيها مختلفة حتّى عن الصحابيّ الواحد؛ فتارة يروون عن أنس أنّه جهر بالبسملة، وأُخرى يروون عنه أنّه قال: لا تجهروا، لاَنّي صلّيت خلف أبي بكر وعمر فكانا لا يجهران، وتارة ثالثة يذكرون حكماً آخر يختلف عن سابقيه.. وهكذا.
وقد أشار الفخر الرازيّ إلى الآراء الاَربعة المنسوبة إلى أنس، ثمّ قال: "فهذه الروايات الثلاث تقوّي قول الحنفيّة، وثلاث أُخرى تناقض قولهم:
أحدها: ما ذكرنا من أنّ أنساً روى أنّ معاوية لمّا ترك "بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والاَنصار، وقد بيّنا أنّ هذا يدلّ على أنّ الجهر بهذه الكلمات كالاَمر المتواتر فيما بينهم.
وثانيها: روى أبو قلابة، عن أنس: أنّ رسول الله وأبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم.
وثالثها: أنّه سئل عن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والاِسرار به، فقال: لا أدري المسألة.
فثبت أنّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظُم فيها الخبط والاضطراب فبقيت متعارضة، فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل. وأيضاً ففيها تهمة أُخرى وهي أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يبالغ في الجهر بالبسملة، فلمّا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر؛ سعياً في إبطال آثار عليّ (عليه السلام)، فلعلّ أَنسَاً
===============