منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٦٧
إلزامهم بالتعبّد برأيه وحده.
إنّه لَيحقّ للمطالع بعد هذا أن يتساءل: كيف يجوز للخليفة أن يهدّد عمّاراً وأُبيّاً وأبا موسى الاَشعريّ وغيرهم؟! فيقول لاَبي موسى: (والله لتقيمنّ عليه بيّنة) أو (أقم عليه البيّنة وإلاّ أوجعتُك)، ويقول لاَُبيّ: (لتخرجنّ ممّا قلت، فجاء يقوده حتى أدخله المسجد...)، ولابن مسعود: (ما هذا الحديث الذي تكثرونه عن رسول الله؟!)، ويقول لاَبي هريرة: (لتتركنّ الحديث عن رسول الله أو لاَُلحقنّك بأرض دوس)، وضربه تميمَ الداريّ بالدرّة.
نعم، قال علماء أهل السنّة والجماعة بعدم لزوم اتّباع الصحابة الاَوائل بعضهم للآخر[١] من أجل أن يعذّروا عمر ويبرّروا فعله معهم، وليحدّوا من تأثير مخالفات الصحابة للخليفة!
ويظهر من النصوص المتقدّمة أنَّ عدم لزوم الاتّباع إنَّما هو لمن خالف الخليفة من الصحابة، وأمّا من وافقه فإنَّهم أضفوا عليهم هالة من القدسيّة والعظمة بحيث لم يقبلوا خطأ أحد الخلفاء أو أتباعهم ، حتّى أنّهم جعلوا من سيرة الشيخين مصدراً تشريعيّاً لا يقبل النقاش ، مع ذهابهم إلى عدمعصمة أُولئك الصحابة!!
إنّ الخليفة بتأكيده على القياس كان يريد تصحيح اجتهاداته، وبإصراره على الرأي كان يريد الانطلاق من موقعيّة عليا في الدولة الاِسلاميّة، فتراه يقف موقف المشرّع الذي لا يتراجع عمّا أفتى به، اللّهمّ إلاّ إذا عورض بتيّار فكريّ قويّ، ونُقِد كلامه بآية قرآنيّة أو حديث عن رسول الله متّفق عليه بين المسلمين، فيرضخ عند ذلك لحكم الوحي ويتراجع عن رأيه!
وبنظري أنَّ القول بالتصويب في الاَحكام الشرعيّة عند مدرسة الخلفاء جاء من هذا المنطلق.
ومن هذا كلّه نخلُص إلى أنّ القول بحجّيّة كلام الصحابيّ وأنّ للخليفة الاِفتاء طبق ما يراه مصلحة، كان المنطلق والنهاية في مدرسة الخلفاء.
____________
[١] انظر أثر الاَدلّة المختلف فيها، للدكتور بغا: ٣٣٩.
===============