منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٠٢
ومن تلك النصوص الكثيرة ما أخرجه البخاريّ في كتاب الآداب: أنّ النبيّ رخّص في أمر فتنزّه عنه ناس، فبلغ النبيّ فغضب ثمّ قال: ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أصنعه، فوالله إنّي لاَعلمُهم وأشدُّهم خشية[١].
وبهذا فقد عرفنا أنّ القرآن قد صرّح بوجود رجال من الصحابة يَلْمِزُونَهُ في الصدقات، وبينهم من إذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوه (صلّى الله عليه وآله وسلم) قائماً، ومنهم من يؤذي الرسول، ومنهم من يتخلّف عن الجهاد، ويرفع صوته على صوت الرسول ولا يمتثل أمره و...
ومنهم مؤمنون يتّبعونه على أمرٍ جامع، مطيعين لاَوامره منتهين عن نواهيه، غير مخالفين لحكمه (صلّى الله عليه وآله وسلم). فحنظلة (غسيل الملائكة) لم يتخلّف عن المعركة إلاّ بعد حصوله على إجازة من الرسول في البقاء عند زوجته ليلة الزفاف، في الوقت نفسه نرى تخلُّف عدد كثير من الصحابه عن الجهاد دون استئذان أو...
ألا يعني موقف حنظلة (غسيل الملائكة) أنّه كان من أتباع التعبُّد المحض، وأنّ الآخرين من أتباع الاجتهاد والرأي والمصلحة؟
وممّا يخطر بالبال: أنّ النبيّ وبتأكيده على بعض المفردات كان يريد امتحان رجال معنيين من أُمّته، فما قصّة الرجل المتنسّك ذي الثديّة، وطلب تدوين كتاب عند موته (صلّى الله عليه وآله وسلم) وتأمير أُسامة بن زيد ـوهو شابّ لم يتجاوز الثامنة عشرةـ على رجال أمثال أبي بكر وعمر وأبي عبيدة، إلاّ نقاط جديرة بالوقوف عندها.
ونحن أطلقنا على الآخرين اسم الاجتهاد والمصلحة، نظراً إلى أجوبتهم بها، فإن قيل لهم: لِمَ تخلّف فلان عن الجهاد؟ قالوا: تعرَّف المصلحة ولاَجله تخلَّف، أو تأوَّل فأخطأ، أو اجتهد، ولكلّ مجتهد إن أصاب أجران وإن أخطا أجر واحد و...
ويبدو لنا أن غالب المسائل المطروحة سابقاً كانت بمثابة الامتحان الاِلهيّ لهؤلاء الصحابة ولتمييز المؤمن المتعبّد من غيره، لاَنّ الثابت في الشريعة هو
____________
[١] صحيح البخاريّ ، كتاب الآداب، باب من لم يواجه الناس بالعتاب ٨: ٣١.
===============