منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٨
ظنّيّة الصدور!
وقد أثّرت تلك الاختلافات التي ابتُليت بها السنّة النبويّة على باقي مصادر التشريع، فصار كلّ فريق يفسّر ويُؤَوِّل الآيات بما يطابق مرويّاته، ويدّعي أنّ ذلك هو المراد منها، وربّما نحى بعض آخر منحىً سلبيّاً حين ظنّ أنّ ما يقنّنه من أُصول وقواعد وكليّات يغني عن المرويّات ويحلّ محلّ اختلافاتها، وبذلك تشعّب الخلاف وامتدت جذوره في أغلب الاَُصول والفروع.
وانشعبت الاَُمّة الاِسلاميّة إلى مذاهب وفرق، كلّ تدّعي أنّها تسير على هدى القرآن ونهج الرسول، وأنّ الحقّ بجانبها، وأنّ السنّة بأنقى صورها عندها.
فهل يمكن تصديق الجميع والقول بأنّ اتّجاهات جميع الطوائف صحيحة وإنَّ الله ورسوله مَنَحاها الحجّيّة، أم أنّ الحقّ واحد يجب العثور عليه؟!
وهل يصحّ ما قالته كلّ فرقة عن الاَُخرى أم لا؟
وهكذا ظلّ النزاع يدور في حلقة مفرغة من الاَخذ والردّ عند الاتّجاهات المختلفة، والعقل السليم لا يمكنه أمام مثل هذه النزعات إلاّ أن يرجّح أحدها أو يميل إليه، إذ من غير المعقول أن تصحَّح جميعاً، ولا أن تُغلَّط جميعاً، لاَنّ الحقّ واحد، وأنّ الفرقة الناجية ما هي إلاّ واحدة فقط، وعليه فلا مفرّ للمسلم من وجوب البحث للعثور على السنّة الصحيحة الموصلة إلى الواقع الذي جاء به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وهنا يكون مدارُ البحث لا عن حجّيّة السنّة النبويّة، لاَنّ حجّيّتها لايختلف فيه اثنان من المسلمين، وإنّما البحث عن "ما هو الحجّة" أي البحث في طرق الاِثبات لا الحجّيّة، و بتعبير آخر: أيّ نقل من النقول النبويّة هو الحجّة؟!
ربّما يقال في الاِجابة: إنّ ما صحّ من الاَحاديث الواردة في شتّى الموضوعات طبقاً للقواعد الرجاليّة، هو الصحيح، وما لم يصحّ فهو غير ذلك، ولاسبيل سوى طرحه وعدم العمل به.
وهذا الكلام قد يبدو صحيحاً لاَوّل وهلة، لكنّ البصير بأُمور الشريعة يعلم بأنّ الاَُصول المرسومة في معرفة الحديث لم تقتصر على الاِسناد، فهناك
===============