منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٨٥
وقد أتى الفخر الرازيّ قبل ذلك بحديث عن محمّد بن إسحاق المسيبيّ قال: حدّثني أبي أنّه لمّا صلّى بالناس بالمدينة، جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، قال: فأتاني الاَعشى ـ أبو بكر بن أُخت مالك بن أنس ـ أنّ أبا عبدالله (يعني مالكبن أنس) يقرأ عليك السلام ورحمة الله، ويقول لك: مَن خفْتُه على خلاف أهل المدينة فإنّك ممّن لم أخَف، وقد كان منك شيء!
قلت: وما هو؟
قال: الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.
قلت: فأبلغه عنّي السلام كما أبلغني، وقل له: إنّ كثيراً ما سمعتك تقول: لاتأخذوا عن أهل العراق، فإنّي لم أدرك أحداً من أصحابنا يأخذ عنهم، وإنّما جئت في تركها عن حميد الطويل، فإن أحببت أخْذَنا عن أهل العراق أخذنا هذا وغيره من قولهم، وإلاّ تركنا حميداً مع غيره، فلم يكن لك عَلَيّ به حجّة، وقد سمعتك كثيراً ما تقول: خذوا كلّ علم من أهله. وعلم القرآن بالمدينة عن ابن أبي نعيم فسألته عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، فأمرني بها وقال: أشهد إنّها من السبع المثاني، وإنّ الله أنزلها. وحدّثني نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه كان يبتدىَ بها ويفتتح كلّ سورة[١].
وقد اتّضح تأثير هذين الاتّجاهين على الفقهاء فيما بعد، فمالك فقيه الحكومة لايفتتح بالبسملة، أما أسحاق المسيّبيّ فيرى ثبوت ذلك عن رسول الله وعن بعض الصحابة.
والجدير ذكره هنا، هو أنّ غالب فقه أهل المدينة كان يخالف أهل البيت، أما فقه أهل العراق فغالبه كان يوافق أهل البيت. والمعروف عن مالك أنّه كتب موطّأه بطلب من الخليفة المنصور العبّاسيّ، فقال له المنصور: ياأباعبدالله! (يعني مالك)، ضع هذا العلم ودوّنه ودوّن منه كتباً وتجنّبْ فيه شواذّ عبداللهبن مسعود ورُخَص ابن عبّاس وشدائد ابن عمر، واقصد إلى أوسط الاَُمور، وما احتجّ عليه الاَئمّة والصحابة (رضي الله عنهم)، لنحمل الناس إن شاء الله على
____________
[١] أحكام البسملة للفخر الرازيّ: ٧٤ ـ ٧٥، والبيهقيّ في السنن٢: ٤٨.
===============