منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢١٠
كون التدوين قد شُرِّعَ للنابهين من الصحابة والمنع لعمومهم ، فهذا يخالفه فعل الخليفة عمربن الخطّاب وتعامله مع فحول الصحابة في قضيّة التدوين وغيرها، إذ أصدر أمراً لهم في أن يأتوه بمدوّناتهم ولم يستثن أحداً منهم، ولمنسمع أو نقرأ قبوله لمدوّنة أحد النابهين !
وكذا ما قالوه بأنَّ المنع جاء في العصر الاِسلاميّ الاَوّل ـ حين نزول القرآن ـ فإنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) منعهم كي لا يختلط القرآن بالسنّة ، لكن حينما نزل القرآن جميعاً وعرفه الصحابة سمح الرسول لهم في كتابة حديثه ، وهذا المدّعى يوضّح بأنَّ المنع قد رُفِعَ أواخر عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ومشروعيّة تدوين الحديث، على ما أكدّنا من أنَّ المنع لم يكن شرعيّاً بل هو قرار شخصيّ من الخليفة، إذ لو صحّ قوله(صلّى الله عليه وآله وسلم): (لا تكتبوا عنّي) أو (ومَن كتب عنّي غيرالقرآن فليمحه) وصدور ذلك في عهده الشريف لعلمه الاَصحاب، وللزم أن يكون هو الدليل الاَوّل للشيخين في منعهما عن الحديث! مع أنّهما لم يحتجّا بمنع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن التدوين، وكفى بهذا دليلاً على بطلان دعوى نهي النبيّ عن التدوين.
ولو صحّ الحديث السابق فلماذا دوّن أبو بكر أحاديثه الخمسمائة، خلافاً لاَمره(صلّى الله عليه وآله وسلم)؟! وكيف يستشير عمر الصحابة في أمر التدوين، إذا كان قد ورد النهي فيه؟! بل كيف يسوغ أن يتخلّف عن رأيهم وهم يشيرون عليه بالتدوين؟! بل كيف يشيرون عليه بالتدوين إذا كانوا قد سمعوا المنع من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟!
ألا يعني قول عمر: (من كان عنده شيء فليمْحُه) أو (لا يبقينّ أحدٌ عنده كتاباً إلاّ أتاني) على وجود مصاحف وكتب قد دوّنت قبل عهده؟
على أنّ التعليل الوارد في كلماتهم لا يقوم دليلاً على مدّعاهم، لاَنّ الاَُمم السابقة إنّما ضلّوا لاَنّهم عكفوا على كتب أحبارهم ورهبانهم وتركوا التوراة والاِنجيل، ولم يكن سبب ضلالهم العكوف على أقوال وكتابات أنبيائهم، وشتّان بين كتب الاَحبار والرهبان والاَساقفة وبين كلمات وسنن وأقوال تكتب عن سيّد الخلائق محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، إذ المدوّن أو المطلوب تدوينه هو أحاديث النبيّ وسنّته لا غير، مع أنّ علماء الاَُمم السابقة كانوا قد انحرفوا فغيّروا نصوص ومفاهيم كتبهم، وهذا بعكس علماء أُمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) المحافظين على الدين
===============