منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٢٣
وهناك رأى آخر تتبنّاه مدرسة الاجتهاد، وهو ما نقل عن عمربن عبدالعزيز أنّه قال: ما أُحبّ أنّ أصحاب رسول الله لا يختلفون؛ لاَنّه لو كان قولاً واحداً لكان الناس في ضيق[١]. وقريب منه ما ورد عن القاسم بن محمّد. وهذا رأي كما تراه يميل إلى الدعة والراحة، ولو على حساب التهاون بدين الله، وإلاّ فإنّ من البديهيّ أنّ الله لم يُرد التناقض والتضادّ، ولو صحّ ما علّل به ابن عبدالعزيز، لكان بإمكان الباري سبحانه وتعالى أن يجعل الاَحكام كلّها على نحو التخيير، أو لقال: خذ ما سهل من الاَحكام ودع العسير.
وهل يسمّى الالتزام بقول الله الواحد ضيقاً؟
فيجب إذن البحث عن الحكم الواحد في الفقه، وكما قال الشاطبيّ: (إنّ الشريعة يلزم أن ترجع إلى قولٍ واحد في فروعها، مهما كَثُر الخلاف. كما أنّها في أُصولها كذلك ترجع إلى قول واحد، بمعنى أنّه لا يوجد فيها ما يُفهم منه قولان متناقضان، وإنّما أدلّتها سالمة من التعارض في ذاتها، رغم وجود التعارض"[٢]. وإذا دقّقنا الروايات التي ترشد إلى عرض السُّنَّة على الكتاب، وضرورة متابعة ضوابط خاصّة لمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، والنصوص الواردة في وجوب التثبّت من صدق الجائي بالخبر ووثاقته وو.. كلّ هذه الروايات والموازين المتّفق عليها بين المسلمين تؤيّد الرؤيا القائلة بوحدة الحكم الشرعيّ والفقه الاِسلاميّ، وتردّ الرأي الذاهب إلى الاجتهاد بالرأي. والتعدّد والاختلاف[٣]. وكذا لا مناص من القول بضرورة دراسة النصوص الصادرة في الصدر
____________
[١] مناهج الاجتهاد في الاِسلام: ١٤٢ ـ ١٤٣.
[٢] مناهج الاجتهاد في الاِسلام: ١٤١ عن الموافقات للشاطبيّ.
[٣] إذ قال ابن عبد البرّ وبعد نقله حديث عرض السنّة على القرآن : "إنَّ هذه الاَلفاظ لاتصحّ عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه ..." جامع بيان العلم وفضله ٢:١٩١، وانظر عارضة الاَحوذيّ ١٠ : ١٣٢ ، وقال في مكان آخر : إنَّ هذا الحديث وضعه الزنادقة والخوارج، وفي حجّيّة السنّة : ٤٧٤ بحث في تضعيف أحاديث العرض يمكنك مراجعته.
===============