منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٩٩
فقال عمر: تبّت يداك، أو ثكلتك أُمّك! سألتني عمّا سألت عنه رسول الله كيما أُخالفه[١]؟!
الثاني: عن هشام بن يحيى المخزوميّ: أنّ رجلاً من ثقيف أتى عمربن الخطّاب، فسأله: عن امرأة حاضت، وقد كانت زارت البيت يوم النحر: ألَها أن تنفر قبل أن تطهر؟
قال عمر: لا.
فقال له الثقفيّ: فإنّ رسول الله أفتاني في هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به!
فقام إليه عمر يضربه بالدرّة ويقول: لِمَ تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول الله[٢]؟!
والجدير بالذكر هنا هو استخدام لفظة "الاِفتاء" في هذا العهد، وأنّ الخليفة قد قالها عن النبيّ كذلك، في حين نعلم بوجود "فرق بين الرسالة والفتوى؛ أنّ الفتوى تقبل النسخ من حيث الجملة في جنسيهما، وأمّا الرسالة فهي لاتقبل النسخ بأن تكون خبراً صِرْفاً"[٣].
وكأنّه راح يوسّع فكرة الاجتهاد ـ التي رأى فيها علاج كلّ شيء ـ بأقصى ما يملك من قدرة، حيث لم يُمكنه القول بمشروعيّة رأيه وارتقائه إلى مرتبة قول الرسول إلاّ بعد المرور بعدّة مراحل، منها القول بأنّ النبيّ كان من المجتهدين وأنّ بعض أحكامه قد صدرت عن رأي، وبذلك قد تنزّلت أقواله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى مرتبة غيره من المجتهدين، بحيث يمكن مضاهاتها من حيث إمكان الاَخذ والطرح، وهذا من أعجب العجائب.
ولو دقّقتَ النظر في مخالفة بل مخالفات الصحابة إيّاه في طروحاته وآرائه، لعرفت أنّ الشكّ في سلامة فقه عمر بن الخطّاب كان أمراً مطروحاً عند الصحابة، على أنّنا باستعراضنا هذه النصوص لا نُريد الذهاب إلى مشروعيّة
____________
[١] سنن أبي داود ٢: ٢٠٨|٢٠٠٤، وفيه (أرِبْتَ عن يَدَيك، سألتني...). حجّيّة السنّة: ٣٥٨.
[٢] حجّيّة السنّة: ٣٧٢ عن الاَعلام، ورواه أبو داود كذلك.
[٣] انظر اجتهاد الرسول: ٣٥٢ ـ ٣٥٣.
===============