منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٦٧
أمّا ما جاء من نهي الصحابة والتابعين عن الكتابة وعدم رغبتهم فيها.. فَمَردّه إلى ما انطبع في نفوسهم من النهي، وكون أقوالهم قد صدرت عن رأي، فكانوا لايرتضون تثبيتها بالكتابة حرصاً على عدم اختلاطها بالمرويّات عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
نعم، إنّهم كانوا يسجّلون آراءهم لاَنفسهم كي لا يحصل الاختلاف بين ما قالوه اليوم مع ما قالوه بالاَمس، مع أنّ نشر تلك الصحف كان لايُرضيهم فيجدّون لحرقها. فقد جاء عن الشعبيّ: أنّ مروان أجلس لزيد بن ثابت رجلاً وراء الستر، ثمّ دعاه فجلس ليسأله وهم يكتبون، فنظر إليهم زيد، فقال: يامروان عذراً، إنّما أقول برأي[١].
قال الدكتور محمد عجاج الخطيب:
وقد ازدادت كراهة التابعين للكتابة عندما اشتهرت آراؤهم الشخصيّة، فخافوا أن يدوّنها طلاّبهم مع الحديث، وتُحمل عنهم فيدخله الالتباس. ويمكننا أن نستنبط أنّ من كره الكتابة وأصرّ، إنّما كره أن يدّون رأيه، وفي هذا يقول أُستاذنا الدكتور يوسف العش: (وأمّا من ورد عنهم الامتناع عن الاِكتاب من هذا الجيل، فيؤول امتناعهم بما لا يخالف ما انتهينا إليه؛ فهم جميعاً فقهاء وليسبينهم محدّث ليس فقيه، والفقيه يجمع بين الحديث والرأي، فيخاف تقييد رأيه واجتهاده إلى جانب أحاديث الرسول). ثمّ يوضّح هذا بأمثلة تثبت ماذهب إليه ، فيقول: إنّنا نجد في الواقع أخباراً تروي كراهتهم لكتابة الرأي، كاعتذار زيد بن ثابت عن أن يكتب عنه مروان ، وجاء رجل إلى سعيدبن المسيب ـ وهو من الفقهاء والذين روي امتناعهم عن الاِكتاب ـ فسألة عن شيء، فأملاه عليه ثمّ سألة عن رأيه فأجابه، فكتب الرجل.
فقال رجل من جلساء سعيد: أيكتب يا أبا محمّد رأيك؟
فقال سعيد للرجل: ناِولْينها، فناوله الصحيفة فخرّقها[٢].
وقيل لجابر بن زيد: إنّهم يكتبون رأيك! قال: تكتبون ما عسى أن أرجع
____________
[١] الطبقات الكبرى٢: ٣٦١.
[٢] انظر تمام الخبر في جامع بيان العلم وفضله٢: ١٤٤.
===============