منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١١١
العلميّ.
إنّ المبرّرات المختلقة التي قيلت أو قد تُقال في الدفاع عن الخليفة لانراها تصمد أمام النقد ولا تقوم أمام التحقيق العلميّ كما أثبتنا ذلك.
فلذا ترى محور الاستبعاد يبتني على ما رسموه من هالة لشخص الخليفة في نفوسهم، كالملاحظ في قول ابن حزم "وهذا ما لا يحلّ لمسلم أن يظنّه بمن دون عمر من عامّة المسلمين ، فكيف بعمر رضي الله عنه "!
ونرى أيضاً أنَّ أسباباً أُخرى ـستأتي هي التي جعلت الخليفة يمنع التدوين والتحديث ، ويوسّع دائرة الاجتهاد والرأي وتعرّف المصلحة، وما ماشاها من أدلّة كانت مرتسمة في ذهن طائفة من الصحابة منذ زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وعلى رأسهم الخليفة عمر بن الخطّاب . والخليفة بتأكيده على تلك الاَُسس جدَّ في ترسيخ هذه الفكرة.
المقدّمة الثانية
الثابت عند المسلمين هو لزوم امتلاك الخليفة قدرتين:
١ ـ قدرته السياسيّة وحنكته في إدارة شؤون الاَُمّة في الحرب والسلم، وبراعته في تحصين ثغور المسلمين، ومجاهدته أعداءَ الدين حتّى يرضخوا للدعوة الاِسلاميّة وأحكامها، وما إليها من أُمور الدولة، كجباية الفيء، والصدقات، وتقدير العطاء، والخراج، وسدّ عوز المحتاجين، وسواها من مستلزمات الاِدارة وشؤون الدولة.
٢ ـ قدرته العلميّة لتصدّي أمر الاِفتاء بما نزل به القرآن، وجاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، إذ إنّ الناس قد ألِفوا في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أخذ الاَحكام عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) والرجوع إليه فيما يستجدّ من قضايا الحياة، أمّا اليوم فإنّهم يرجعون إلى الخليفة، ليقفوا على الاَحكام الشرعيّة والاَُمور المستجدّة عندهم، وليقف من بَعُد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على تفاصيل الاَحكام، لاَنّ الكثير منهم لم يتوطّن مكّة والمدينة، وكذلك ليأخذ التابعون ـالذين لم يرَوا النبيّـ معالم الدِّين من الصحابة، كلُّ أُولئك كانوا بحاجة إلى أخذ الاَحكام من الخليفة بالدرجة الاَُولى ومن يحيط به بالدرجة الثانية، مع لحاظ الفارق بين الخليفة والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
فالناس كانوا ينظرون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) على أنّه مشرّع (ما يَنْطِقُ عن الهوى) فحكمه (صلّى الله عليه وآله وسلم) يكون نافذاً عندهم، لا يجوز مخالفته والتردّد فيه؛ لاَنّه صدر عن الوحي.
وأمّا الخليفة اليوم فليست له هذه السمة التي كانت للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولميعطوه دوراً تشريعيّاً في الاَحكام[١]، بل ينظرون إليه كمحدِّث عن الرَّسول لاغير.
____________
[١] انظر الاِحكام في أُصول الاَحكام ١: ١١ ، ومناهج الاجتهاد للدكتور مدكور. مثلاً.
===============