منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٦١
وقال الوافي المهدي: لمّا توالت الفتوحات الاِسلاميّة في عصر الخلفاء، وعلى الاَخصّ في عهد عمر، وخضع لنفوذهم أُمم شتّى لها حضارات مختلفة، ممّا جعلهم يواجهون مشاكل معقّدة لا عهد لهم بها من قبل، سواء في الناحية العسكريّة أو الماليّة، أو الاَحوال الشخصيّة، أو الجنائيّة وغيرها، وهذا ممّا جعلهم يلجؤون إلى استعمال القياس حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة. وكانت طريقتهم في الاجتهاد اللجوء إلى كتاب الله، ثمّ إن لم يجدوا فيه نصّاً التجأوا إلى السنّة النبويّة، فإن لم يحضرهم شيء ممّا أُثِر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) استشاروا حفّاظ الصحابة، هل يحفظون في القضيّة النازلة بهم شيئاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ فإن لم يوجد لجؤوا إلى الرأي، وسيأتي أنّ عمر كان يسأل: هل ثبت شيء في القضيّة النازلة بهم عن أبي بكر؟
والرأي الذي استعملوه ينتظم فيه القياس والاستحسان، والمصلحة المرسلة وسدّ الذرائع. وفي هذا العصر ظهر مصدر جديد من مصادر التشريع الاِسلاميّ لم يُعرف في العهد التأسيسيّ للتشريع، ألا وهو الاِجماع ، فإنّ أبابكر كان يشرّع فيما لا نصّ فيه من كتاب ولا سنّة عن طريق جمعيّة تشريعيّة، وكذلك الاَمر بالنسبة لاَوّل خلافة عمر. وكان ما يصدر عن تلك الجمعيّة التشريعيّة من أحكام يعتبر صادراً عنهم جميعاً[١].
وقال: "وخلاصة القول أنّ الصحابة كانوا يرجعون إلى الرسول في الاَغلب الاَعمّ، حينما كان على قيد الحياة. أمّا حينما التحق بالرفيق الاَعلى فقد أصبح هذا المرجع مفقوداً، وهذا ما جعل اجتهادهم بعد موته (صلّى الله عليه وآله وسلم) يدخل في مرحلة أعظم وطور أخطر. قال الاَُستاذ مصطفى الزرقاء: فشأنهم في حياة الرسول استماع واتّباع واستفتاء منه فيما يشكل عليهم. وبتعبير آخر: اعتماد على الرسول في الفهم والتوجيه في كلّ شيء.
أمّا بعد وفاته عليه السلام فقد انتقلوا فجأة من طور الاعتماد إلى طور الاجتهاد؛ لزوال ذلك المرجع، وحلول مخلّفاته الدستوريّة ـ القرآن والسنّة ـ محلّ بياناته الشفهية، فتولّدت من ذلك الحين ضرورة إلى الاجتهاد لامناص منها تجاه
____________
[١] الاجتهاد في الشريعه الاِسلاميّة للوافي المهدي: ٤٦.
===============