منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٤٩٦
قال ابن حزم : (مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرئاسة والسلطان، مذهب أبي حنيفة، فإنَّه لمّا ولّي أبو يوسف القضاء كان لايولّي قاضياً إلاّ من أصحابه والمنتسبين إلى مذهبه. والثاني مذهب مالك...)[١] .
وقال الدهلويّ في "حجّة الله البالغة": فأيّ مذهب كان أصحابه مشهورين وأُسند إليهم القضاء والاِفتاء واشتهرت تصانيفهم في الناس ودرسوا درساً ظاهراً في الناس، انتشر في أقطار الاَرض، لم يزل ينتشر كلّ حين، وأيّ مذهب كان أصحابه حاملين ولم يولّوا القضاء والاِفتاء ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين)[٢] .
٤ ـ ثبت بين مطاوي الصفحات السابقة عدم اتّفاق الخلفاء مع نهج عليّ بل تخالفهم معه، وتحكيم الاختلافات القبليّة في سيرتهم معه، وأنّ التدوين الحكوميّ قد ظهر متأخّراً ـ وبعد قرن من الزمن ـ أي في زمن عمربن عبدالعزيز أو هشامبن عبدالملك، لقول الزهريّ (كنا نكره تدوين السنّة حتّى أكرهنا السلطان على ذلك) مع الاِشارة إلى أنّ التدوين جاء على ضوء المحفوظات ولميؤخذ من المدوّنات.
وعليه فالتحريف يمكن تصوّره في مدوّنات هؤلاء أكثر من مدوّنات الآخرين، لنزعاتهم القوميّة ولوجود السلطة بيدهم ولبُعد التدوين عندهم عن زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا التحريف عند أهل البيت فلا يمكن تصوّره لعكس العوامل التي مرَّت.
٥ ـ أنّ القول بمشروعيّة الرأي وتعدّديّته يدعو أنصاره إلى التحريف، بمعنى أنّهم واستنصاراً لائمّتهم يلزمون أنفسهم أن يضعوا الحديث أو يؤولوه تأييداً لما قالوه، ومن أجله نراهم عدّوا الوضع المذهبيّ من أقسام الوضع. وأمّا مدرسة التعبّد فلا ضرورة عندهم لذلك، لاَنَّ حديثهم متناقل عن الاَُصول المدوّنة لقوله: (حديثي حديث أبي وحديث أبي حديثي) فلا يمكن بعد هذا تصوّر التحريف في أقوالهم لعدم تخالف نصوصهم، ولاستقائها من مصدر
____________
[١] وفيّات الاَعيان ٦ : ١٤٤ .
[٢] حجّة الله البالغة ١ : ١٥١ في الاِمام الصادق والمذاهب الاَربعة ٢ : ١١ .
===============