منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ١٩٧
وإنَّ هذا الاتّجاه قد استحكم بناه في عهد الخليفة الثاني ، لاَنَّ المجتهدين على عهد الرسول وبسطاء المتعبّدين قد تأثّروا باتّجاه الرأي لاحقاً.
إنّ رفع الاَُمور في عهد النبيّ إليه(صلّى الله عليه وآله وسلم) واستماعهم لقوله(صلّى الله عليه وآله وسلم) يعني أنّ حكمهم قد أُمضِي من قبل الشارع، وصار حجّة بإمضاء النبيّ؛ فالحجّة فيه إمضاء النبيّ لا ما فعله الصحابيّ وقاله!
فلو كان الاجتهاد بالرأي في عهده (صلّى الله عليه وآله وسلم) حجّة كما هو المصطلح اليوم فلماذا ألزم أُسامةَ أن يدفع دية الرجل الذي قتله اجتهاداً منه؟!
وقد مرّ عليك سابقاً كلام الدكتور مدكور إذ قال: (... إنّ الرسول ـ على مقتضى هذه النظريّة نفسها ـ لم يكن بحاجة إلى هذا المعنى من الاجتهاد... أمّا بعد انتقال الرسول من الحياة الدنيا وفي عصر الصحابة الذي ينتهي بنهاية القرن الهجريّ الاَوّل فقد عرضت لهم...).
وقال الدكتور معروف الدواليبيّ: (لا جديد في الغالب من أحداث لميألفها ووقائع لم يتخرج في أحكامها، على نحو ما في الكتاب والسنّة من حكم وإرشاد.
وهذا يعني أنّ الاجتهاد في أثناء حياة النبيّ لم يلعب دوراً هامّاً ذا شأن، بل بقي ضمن نطاقٍ من القضايا محدود، وعددٍ منها معدود)[١].
وقالت الدكتورة نادية العمريّ: (حتّى لقد كان يقترح (عمر) من التشريعات في عهد رسول الله ما يراه متّفقاً مع الفضيلة والحقّ والمصلحة)[٢] وهذه الكلمات تعضد ما توصّلنا إليه من أنّ الاجتهاد ـ بمعناه اليوم ـ لميكن حجّة في زمان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وإنّما تكامل اصطلاحيّاً في وقت متأخّر على يد الشيخين ومَن سار مسيرهما، وأنّ انبثاقه وتكامله كان لحاجتهم إلى الاَحكام، ولعدم إحاطتهم بجميع الاَحكام ووجوه الاستدلال فيها.
* * *
[١] الاجتهاد في الشريعة الاِسلاميّة: ٣٢ عن المدخل إلى علم أُصول الفقه: ٧٨ ط٥ـ ١٩٦٥.
[٢] اجتهاد الرسول : ٢٥٩ .
===============