منع تدوين الحديث - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٨٠
كان من كتب أهل الكتاب.[١] وبهذا يمكن أن يكون نهي ابن مسعود جاء لما فصّلناه عنه سابقاً، وهناك احتمال آخر؛ وهو صدورها عنه تقيّةً أو مصلحة أو تخوّفاً من درّة عمر إذ عرف عن عمر أنّه أمر بإتلاف الصحف والاِقلال في التحديث، وقد ضرب بعض الصحابة على ذلك، وسجن آخرين كان من بينهم ابن مسعود، فلا يستبعد إذاً أن يكون ما فعله ابن مسعود مع الصحيفة جاء مماشاةً مع الوضع العامّ في الدولة الاِسلاميّة وكي لا يتخطّى أمر الخليفة عمر بن الخطّاب، إمّا تخوّفاً من بطشه أو مداراة ومصلحة، فعن الحارث بن سويد قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول "ما من ذي سلطان يريد أن يكلّفني كلاماً يدرأ عني سوطاً أو سوطين إلاّ كنت متكلّماً به".
وقال ابن حزم معقباً: "ولا يعرف له من الصحابة رضي الله عنهم مخالف"[٢].
وجاء عنه أنّه صلّى خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط ـوالي عثمان على الكوفةـ تقيّة، وأنّ الوليد كان قد صلّى الصبح بهم أربعاً ثمّ قال: أزيدكم؟
فقال له ابن مسعود: مازلنا معك منذ اليوم في زيادة[٣]!
وبهذا يصحّ القول في نهي ابن مسعود ـلو صحّ عنهـ أن يكون اتّقاءً من درّة عمر وحفظاً لكيان الاِسلام، إذ اشتهر عنه أنّه صلّى مع عثمان بمنى أربعاً رغم خلافه معه اتّقاءً للفتنة والشرّ.
فقيل له: ألم تحدّثنا أنّ النبيّ صلّى ركعتين، وأبا بكر صلّى ركعتين؟
قال: بلى، وأنا أحدّثكموه الآن، ولكنّ عثمان كان إماماً فما أُخالفه، والخلاف شرّ[٤].
____________
[١] جامع بيان العلم وفضله .
[٢] المحلّى لابن حزم ٨ : ٣٣٦ مسألة (١٤٠٩).
[٣] شرح العقيدة الطحاويّة، للقاضي الدمشقيّ ٢:٥٣٢ كما في واقع التقيّة عند المذاهب والفرق الاِسلاميّة:١٠٦.
[٤] السنن الكبرى ٣ : ١٤٤، البداية والنهاية ٧ : ٢٢٨.
===============